النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٥نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي
د. سعيد بن عبد الله
العبري
345
يقول الإمام الشاطبي: أصل النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً» (1). والوسيلة لا ينظر إليها في ذاتها، بل تتكيف من جديد بالنظر إلى مآلها، فما أفضى إلى مطلوب كان مطلوباً، ولو كان في الأصل محظوراً وهذا يسمى فتح الذرائع.
فحكم الوسيلة الجائزة أو المطلوبة في ذاتها، تستمده من حكم ما أفضت إليه لدفع مناقضة الشارع، وهذا هو درء التعسف في استعمال الحق، ومن هنا يبدو أن نظرية التعسف قائمة ـ في معيارها المادي - على مبدأ سد الذرائع وهو فرع من فروع أصل النظر في مآلات الأفعال.
المبحث الثالث:
تطبيقات النظرية في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: تطبيقات النظرية في الفقه الإباضي وجدت تطبيقات للنظرية في المذهب الإباضي، فقد وجد في كتب الفتاوى وفي جوابات الشيخ السالمي سؤالاً عن حريم العوابي عن بعضهن بعضاً إذا أراد أحد أن يفسل قرب جاره كم يكون قدر الحريم؟ فكانت الفتوى: «إذا كان الموضع قد جعل للزراعة وعلى ذلك أسس ومضى عليه الزمان وهو كذلك؛ فليس لأحد أن يفسل فيه خوف الضرر بجاره، إلا إذا اتفقوا جميعاً على الفسل فحينئذ جائز،
والله أعلم» (3).
وأرى أن الشيخ السالمي يمنع من زراعة النخيل والأشجار في العوابي المعدة لزراعة الحبوب والقمح، خوف ضرر الجار، فليس لمالك الأرض أن يتصرف في أرضه لمصلحة يراها إلا إذا اتفقوا جميعاً على تحويلها لزراعة نخيل وأشجار، وفسل المالك نخيلاً من دون إذن جيرانه له في استعمال حقه فيمنع منه، ويعد هذا معياراً موضوعياً لعدم التناسب بين المصالح.
يعد
تعسفاً
كما سئل أبو سعيد الحمد لله عن رجل فسل في ماله فسلاً، فأناف خوصه على مال جاره؟ فكان جوابه: إن كان مما يضر بجاره، وكان هو المحدث لذلك؛ فما تولد من مضرة من فعله،
فعليه صرفه، ولو لم يطلب إليه جاره صرف ذلك.
(1) الموافقات، ج 4، 196.
(2) القرافي، الفروق، ج 2، ص 32.
(3) السالمي؛ عبد ا
الله
بن حميد جوابات الشيح السالمي، ج 4، ص 31.