النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٤٦

346

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وأما العروق فلا أعلم أن أحدا يقول: تصرف العروق التي تدخل في أرض الجار، وإن أراد رب الأرض أن يبدع أرضه، فله ذلك، وأن يقطع العروق من أرضه إذا كانت نيته في بدعه لأرضه لحاجته لذلك، أو لمعنى مصلحة له من ذلك، لا لأجل الضرر بجاره» (1).

يرى الشيخ أبو سعيد: أن على الجار أن يصرف الضرر عن جاره ولو لم يطلب منه ذلك، وليس له أيضاً أن يقطع عروق أشجار جاره الداخلة في ملكه، إذا كان قطعها لا لأجل مصلحة أكبر، بل لأجل الضرر بجاره، فيمنع من ذلك؛ لأنه تعسف في استعمال حقه.

وهذه الفتوى من الشيخ أبي سعيد محمد بن سعيد الناعبي وهو من علماء القرن الرابع الهجري تبين لنا مدى تطبيق هذه النظرية منذ وقت مبكر في المذهب الإباضي.

المطلب الثاني: تطبيقات النظرية في الفقه المالكي

يقوم مذهب الإمام مالك على فكرة وجوب حفظ التوازن بين حقوق الأفراد إذا دعت مصلحة الجماعة إلى ذلك، وهو جوهر ولب التعسّف في استعمال الحق؛ فلا يجوز استعمال الحق إلا لتحقيق الغرض الذي وجد من أجله هذا الحق، ويتجلى تطبيقه في حد الإمام مالك من ولاية الأب على مال ولده الصغير؛ لأن هذا الحق لم يعط له إلا لحماية مصلحة الولد فإذا تنكب الأب عن هذه المصلحة وحاد عن غرض هذه الولاية عد بذلك تعسّفاً، رد عليه ولا يترتب على عمله أي أثر. يقول الإمام مالك في المدونة الكبرى قلت: هل يجوز أن يقاسم على الولد الصغير الدور أو العقار أبوه أو وصيّ أبيه».

قال عبد الرحمن بن القاسم: ذلك جائز عن مالك».

قلت: أرأيت لو أن صبياً صغيراً في حجر أبيه ورث على أمه مورثاً أو من غير أمه مورثاً فقاسم الأب لابنه الصغير فحابي؛ أيجوز ذلك على الصغير وقد حابى الأب شركاءه»؟ قال: «قال مالك: لا تجوز هبة الأب مالاً لابنه الصغير، ولا يتصدق بمال ابنه الصغير، كذلك المحاباة أيضاً لا تجوز» (2).

كذلك يعتبر استعمال الحق غير مشروع إذا تولد عنه ضرر غير عادي، وذلك كما في تنظيم العلاقات الناشئة عن الجوار؛ فإذا أدى استعمال الحق إلى إلحاق ضرر غير عادي وجب منع صاحبه

من استعماله.

(1) الكندي، منهج الطالبين، ج 12، ص 37.

(2) الإمام مالك، المدونة، ج 5، ص 493.