النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي
د. سعيد بن عبد الله
العبري
|
347
فقد جاء في المدونة: أرأيت لو كان لي عرصة إلى جانب دور قوم، فأردت أحدث في تلك العرصة حماماً أو فرناً أو موضعاً، لرحى، فأبى عليَّ الجيران ذلك، أيكون لهم أن يمنعوني في قول
مالك؟
قال: إن كان ما يحدث ضرراً على الجيران من الدخان وما أشبه فلهم أن يمنعوك من ذلك؛ لأن مالك قال بمنع من أضرّ جاره، فإن كان هذا ضرراً منع من ذلك»).
كذلك لا يسوغ استعمال الحق لا للحصول على منفعة بل للإضرار بالغير، ويتجلى هذا المبدأ في منع المالك من التعسّف في استعمال ملكه بما يلحق الضرر بالغير ضرراً من دون أن يعود عليه بنفع. جاء في المدونة: «قال: سمعت مالكاً يقول: وسئل عن رجل له أرض وحواليه زرع للناس في أرضهم فأراد صاحب تلك الأرض أن يمر بماشيته إلى أرضه في زرع القوم؟. قال: إن كان ذلك يفسد زرعهم فلهم أن يمنعوه» (2).
المطلب الثالث: تطبيقات النظرية في الفقه الحنفي
على غرار فكرة التعسف في مذهب الإمام مالك أسس الفقه الحنفي لنظرية التعسف، وإن كان الإمام أبو حنيفة قد نظر إلى الحق نظرة مطلقة معللاً ذلك الجواز الشرعي ينافي الضمان، بأنه ما دام الجواز مقرراً فالضمان منتف، فالقاعدة عنده أي أنه أخذ بنظرية الحق المطلق، فللفرد استعمال حقه بحرية من دون الالتفات إلى غاية الحق وأهدافه ومما يبدو فإن هذا الرأي محصـ فقط في استعمال حق الملكية؛ لأنه مع هذا الإطلاق فإن استعمال الحق مقيد بشرط أن يكون استعماله في حدوده الشرعية، أما إذا تعداها إلى حقوق الغير على الفاعل المعتدي، إذ في التعدي خروج عن استعمال الحق في حدوده المعينة المشروعة (3).
محمد
محصور
وبالرغم من هذا الاتجاه فقد أسس الفقه الحنفي، وبالأخص على يدي صاحبي أبي حنيفة وأبي يوسف نظرية التعسف على مبادئ مشابهة لمبادئ المذهب المالكي وهي: يجب استعمال الحق طبقاً للغرض منه كما في ولاية الأب أو الولي على القاصر، فإن هذا المبدأ وضع ليحد من التوسع في هذه الولاية؛ لأنَّ هذا الحق لم يمنح للولي أو الوكيل إلا لتحقيق غرض معين هو رعاية مصالح القاصر أو الموكل، فإن خرجوا على هذا الغرض اعتبر تعسفاً، وكان عديم الأثر من الناحية القانونية.
عملهم
(1) الإمام مالك، المدونة، ج 5، ص 529. (2) المرجع السابق، ج 6، ص 194. (3) علي حيدر، درر الحكام، ج 5، ص 92.