النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٤٨

348

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

استعمال الحق يعتبر غير مشروع إذا تولّد عنه ضرر غير عادي، فلا يجوز للمالك اتخاذ ملكه واستعماله بما يضر بالجيران ضرراً ظاهراً، أي فاحشاً، لا يمكن التحرز منه استحساناً لأجل المصلحة، وإن كان القياس الظاهر يجيزه لكونه تصرفاً في الملك، ومن ذلك لو أراد بناء تنور في داره للخبز الدائم كما يكون في الدكاكين أو رحاً للطحن للقصارين لم يجز ذلك لأن ذلك يضر بالجيران ضرراً ظاهراً لا يمكن التحرز عنه والقياس أنه يجوز؛ لأنه تصرف في ملكه، وترك ذلك استحساناً لأجل المصلحة (1).

المطلب الرابع: تطبيقات النظرية في الفقه الجعفري:

منع استعمال الحق من دون ابتغاء جلب منفعة أو دفع مضرة، إذا ترتب عليه ضرر بغيره، وجعلوا حديث: (لا ضرر ولا ضرار حاكماً على هذا التصرف، حيث ورد عندهم، فيظهر منهم - من الأئمة - عدم جوازها، سواء قصد بتصرفه الإضرار أم لا؛ لأن المفروض عدم ورود ضرر عليه، ولا يلزم من تصرفه جلب نفع حتى يكون حرجياً؛ فليس هنا إلا عموم السلطة - أي سلطة المالك في جميع وجوه التصرف بملكه - وهو محكوم بقاعدة لا ضرر

(2)

المطلب الخامس: تطبيقات النظرية في الفقه الشافعي

لم تحظ فكرة التعسف في استعمال الحق قبولاً لدى الإمام الشافعي، الذي ذهب إلى القول بإطلاق الحقوق لأصحابها في استعمالهم، ولو لم يكن له نفع في ذلك، بل ولو ترتب على عمله ضرر للغير، وذلك لكون الشافعي لا يعتد بالقصد والنية والدافع لاستحالة معرفتها، ويقتصر على الحكم على ظواهر الأفعال والتصرفات ما دامت مستوفية لشروط المشروعية الكاملة. فيقول: أصلا ما أذهب إليه أن كل عقد كان صحيحاً في الظاهر لم أبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحة الظاهر وأكره لهما النية إذا كانت النية لو ظهرت كانت تفسد البيع»، غير أن هذا الرأي لقي معارضة في المذهب بما ذهب إليه فقهاؤه بعد الإمام الشافعي.

فنجد الإمام الغزالي الذي لم يقل بإطلاق الحقوق والحكم على الأعمال والتصرفات بحكم الظاهر من دون النية والقصد والغاية؛ لأنَّ الحقوق لم تمنح وتعط إلّا لغاية معينة وغرض، وعليه حكم على التصرف بناء على هذا القصد والغرض منه، وعلى أساس هذه الفكرة بحث الغزالي مختلف الحقوق كحق الزواج والطلاق وحق التعاقد وحقوق الجوار.

(1) علي حيدر، درر الحكام، ج 2، ص 214. (2) الخلاف، ج 2، ص 244.

(3) الشافعي، الأم، ج 3، ص 274.

(4) الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2، ص 233.