النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩349
|
نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي
د. سعيد بن عبد الله
العبري
بقوله:
هذه الأخيرة التي منع بموجبها تصرفات في الملك من شأنها إيذاء الجار والإضرار به عددها يتطلع من السطح إلى عوراته ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب
الماء في ميزابه ولا في مطرح التراب في فنائه، ولا يضيق طريقه إلى الدار».
فالإمام الغزالي استعان بالبعد الديني والأخلاقي في أثره في الأحكام الشرعية وراعاها للتضييق والتقييد من نطاق الحقوق والحث على استعمالها بحسب الغاية منها مخالفا بذلك رأي الإمام الشافعي الذي ذهب إلى القول بإطلاق الحقوق، وقد أصبحت هذه الفكرة التي أرساها الإمام الغزالي مبدأ أسس عليها من أتى بعده من الفقهاء مبدأ قانونياً الغرض منه تحريم التعسف
استعمال الحق.
المطلب السادس: تطبيقات النظرية في الفقه الحنبلي
وسوء
على وفق ما استقر عليه الإمام الغزالي في المذهب الشافعي أخذ الإمام ابن قيم الجوزية بمبدأ نسبية الحقوق وعدم الاقتصار على ظاهر التصرف وشكله من دون مراعاة الغرض والقصد منه، وجعل مشروعية التصرف واستعمال الحق متوقف على الغرض منه، وفي هذا يقول الإمام بن قيم الجوزية: «الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه، وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللاً ومن نوى الربا بعقد التبايع كان مرابيا» (2).
ويقول: «القصد روح العقد ومصححه ومبطله، فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ، فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تُراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت
الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتباراً لما يجب إلغاؤه» (3).
أي أن التصرفات تعتبر شرعاً بحسب مقصد وغاية صاحبها، فإن قصد بها غير ما شرع أو قصد بها مضرة أو مفسدة لا يعتبر التصرف مشروعاً لعدم مشروعية القصد والغاية، وهي جوهر نظرية التعسف.
ونخلص من مجمل ما ورد من آراء وفروع فقهية في ما ذكرنا، في المذاهب الفقهية من أحكام تتعلق بالتصرفات واستعمال الحقوق، وإجماع معظم العلماء على مبدأ نسبية الحقوق ووجوب استعمالها بوجه مشروع شكلاً ومظهراً وقصداً وغاية إلى حقيقة استقرار واستواء فكرة التعسف في
(1) الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 2، ص 233. (2) ابن القيم إعلام الموقعين، ج 3، ص 164. (3) ابن القيم المرجع السابق، ج 3، ص 82.