النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

357

|

نظرية الضرورة وتطبيقاتها

أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي

مفهوم الضرورة والحاجة وضوابطهما

الضرورة لغة - كما قال الجرجاني في تعريفاته - مشتقة من الضرر، وهو النازل بما لا مدفع له. واصطلاحاً لها تعاريف متقاربة، منها ما قال الجصاص أبو بكر الرازي: هو خوف الضرر أو الهلاك على النفس أو بعض الأعضاء بترك الأكل (1).

وعبارة بعض الفقهاء المعاصرين: الضرورة أشد دافعاً من الحاجة، فالضرورة: هي ما يترتب على عصيانها خطر، كما في الإكراه الملجئ وخشية الهلاك جوعاً .. ولا يشترط تحقق الهلاك بالامتناع عن المحظور، بل يكفي أن يكون الامتناع مفضياً إلى وهن لا يحتمل، أو

آفة صحية (2).

والظاهر من تعريف الضرورة هذا هو الاتجاه نحو ضرورة الغذاء والدواء، فيقاس عليها غيرها. وضابطها: كل ما يترتب على مخالفتها ضرر أو خطر يلحق بالنفس ونحوها قد يؤدي إلى الهلاك. أما الحاجة: فهي أعم من الضرورة، وهي التي يترتب على عدم الاستجابة لها ضيق وحرج (مشقة)، أو عسر وصعوبة لا يؤدي إلى الهلاك.

وأما المصلحة فهي المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم، ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معين في ما بينها.

والفرق بين الضرورة والحاجة من وجهين

الأول: أن الضرورة مبنية على فعل ما لا بد منه للتخلص من المسؤولية، ولا يسع الإنسان الترك. وأما الحاجة فهي مبنية على التوسع والتسهيل في يسع الإنسان تركه.

فتوفير حوائج الإنسان الضرورية من ملبس ومأوى من الضروريات، فعلى ولي القاصر مثلاً توفيرها له، حتَّى ولو ببيع عقار القاصر. أما التزويج أو التعليم فهو مجرد حاجة، ورتب الحنفية على ذلك أن تزويج الصغيرة لا يكون إلا بواسطة الأب أو الجد، وبمهر المثل، وبكفء لها. الثاني: أن الأحكام الاستثنائية الثابتة بالضرورة هي غالباً إباحة موقتة لمحظور منصوص صراحة على منعه في الشريعة. أما الأحكام المبنية على الحاجة فهي في الغالب لا تصادم نصاً

(1) أحكام القرآن: 150/ 1 وما بعدها. وانظر أيضاً كشف الأسرار للبزدوي: ص 1518، مجلد 4. القوانين الفقهية لابن جزي: ص 173. الشرح الكبير للدردير: 115/ 2، قواعد الزركشي (المنثور في ترتيب القواعد الفقهية مخطوط، ق 137 برقم 8543،

المكتبة الظاهرية بدمشق. المغني: 595/ 8 ومغني المحتاج: 306/ 4. (2) المدخل الفقهي العام للأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا ف 603، 600 (3) المحصول للرازي: ص 194، المستصفى للغزالي: 139/ 1.