النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩359
|
نظرية الضرورة وتطبيقاتها
أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي
ومسوغات الضرورة آيات قرآنية خمس منها في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] المائدة [الآية 3] وفي الأنعام [الآية 145] وفي النحل [الآية 115] والأنعام أيضاً [الآية 119].
2 - أن يتعين على المضطر مخالفة الأوامر أو النواهي الشرعية فلا يجد سبيلاً إلا ذلك، فلو وجد الجائع مثلاً طعاماً لدى آخر، جاز له أخذه جبراً، بقيمته، وعلى صاحب الطعام أن يبذله له؛ ومن تمكن من الاقتراض قرضاً حسناً من غير ربا أو فائدة، فلا يقترض من البنوك الربوية أو يبيع بالربا والمسوغ للاقتراض بالفائدة أحد أمرين أن يدفع عن نفسه خطر الموت جوعاً أو عطشاً، أو يكون مآله المبيت في العراء.
فلا يحل له الاقتراض بالفائدة في غير ذلك كبناء بيت وهو ساكن بالأجرة أو في بيت متواضع، ولا شراء سيارة بالفائدة ليعمل عليها، ولا فتح مكتب هندسي أو محاماة أو عيادة طبية، أو تمويل أو توسيع محل تجاري أو صناعي أو زراعي ونحو ذلك.
3 - أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه التلف. كحالة الإكراه على تناول الخمر مثلاً بوعيد يخاف منه التلف أو الأذى.
4 - ألا يخالف المضطر أصول الشريعة الأساسية من حفظ حقوق الآخرين، والتزام العدل، وأداء الأمانة، ودفع الضرر، وصون أصول العقيدة والمقدسات الإسلامية. فلا يحل مثلاً اقتراف الزنا حتّى في بلد غير إسلامي، بحجة الاضطرار، ولا زواج المتعة عملاً برأي الشيعة، ولا قتل النفس، ولا الكفر، ولا الغصب بأي حال؛ لأنَّ هذه الأمور الأربعة مفاسد في ذاتها، أي إنها لا تصبح مباحة خلافاً لزعم بعض الجهلة، وإن كان يرخص بالنطق بالكفر في الظاهر مع اطمئنان القلب بالإيمان، لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيِنُ بِالْإِيمَنِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
ومن المعلوم أن الرخصة لا تعني الإباحة في هذه الأمور الأربعة، فالمكره له الفعل مع إقراره بأن ما يقدم عليه من الفعل المكره عليه هو حرام، وحرمته دائمة، لا تطرأ عليه الإباحة فعلاً، وغير هذه الأمور تكون الرخصة مباحة.
5 ـ أن يقتصر في ما يباح تناوله للضرورة على الحد الأدنى اللازم لدفع الضرر؛ لأن إباحة الحرام ضرورة والضرورة تقدر بقدرها». وكذلك: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة وهذا رأي الجمهور. فمثلاً يكون تناول اللحم الحرام أو الشراب الحرام بقدر حفظ النفس أو
إزالة الغصة.