النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

نظرية الضرورة وتطبيقاتها

أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي

|

363

الثاني: الترخيص في الفعل من غير إباحة:

أي إن الإكراه لا يبيحه؛ لأنَّ حرمته مؤبدة، ولكن يمنع الإثم والمؤاخذة الأخروية، كإجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان، كما تقدم، فذلك يرخص بالإكراه الملجئ فقط، وإن صبر الإنسان على ما أكره عليه وقتل، صار شهيداً.

والأفضل في رأي الحنفية والحنابلة الصبر إعلاء لكلمة الله والحق، وإظهاراً لعزة الإسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلملخبيب بن عدي الذي أكرهه المشركون على ذكر آلهتهم بخير: «إن عادوا فعد» (2).

الثالث: الترخيص في الفعل في الجملة مع إباحة صاحب الحق:

وهو حقوق الناس المالية، كإتلاف مال الغير، وتناول المضطر مال غيره، يكون الفعل حراماً غير مباح في الأصل، ولكن قد تزول الحرمة بإذن صاحب المال بالتصرف، فيرخص الإتلاف للمكره عليه إكراها ملجئاً، أو للمضطر إلى أخذ المال للانتفاع به، مع بقاء الحرمة كالنوع السابق؛ لأنَّ إتلاف المال في ذاته، ظلم والإكراه لا يبيحه للحاجة إليه، فإن صبر المستكره على ما هدد به بالقتل أو الجرح ونحوهما، وقتل، كان شهيداً؛ لأنه بذل نفسه لدفع الظلم. وإذا أتلف المال كان ضامناً للتلف.

الرابع: عدم الإباحة وعدم الترخيص أصلاً:

كالقتل بغير حق، والاعتداء على أحد الأعضاء، والزنا أو الفاحشة، فهذا لا يحل بالإكراه مطلقاً، وإنما يعد الإكراه شبهة تدرأ بها الحدود، إذا كان الإكراه ملجئاً، استحساناً عند الحنفية؛ لأنَّ الحد

للزجر، ولا حاجة إلى الزجر عند الإكراه.

والخلاصة:

دائماً يعد

من

أسباب إباحة المحظور، وإنما قد يباح

إن الإكراه إحدى حالات الضرورة لا المحظور به، وقد لا يباح وحينئذ يعد من موانع المسؤولية فقط، لا من أسباب إباحة الفعل.

وأما الأثر الخاص: وهو أثر المشقة في تيسير الأحكام، ففيه تفصيل (3):

أ - إن كانت المشقة حقيقية: وهي المتيقنة أو المظنونة في أنها تلحق بالإنسان ضرراً محققاً، فتكون سبباً للتخفيف، كمشقة السفر والمطر، ونحو ذلك مما له سبب معين واقع.

(1) كشف الأسرار 636/ 1. القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي: ص 49، 118.

(2) رواه أحمد والبخاري وأبو داود.

(3) الموافقات للشاطبي: 333/ 1 وما بعدها.