النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٨

38

8888

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وتبدو الحاجة ماسة لتوضيح هذه العناوين

1 ـ اعتبارات الشارع:

فعل

إنّ المقصود من الاعتبارات الشرعية هي تشريعات الشارع أو - بتعبير آخر ـ الأحكام الشرعية. وقد انطلقنا في استخدام هذا العنوان مِمَّا تبنّاه بعض الأصوليين حول الحكم الشرعي من أنه: اختياري للشارع، واقعه عبارة عن صدور اعتبار من جانبه سبحانه، قد أبرزه - أي: هذا الاعتبار - عن طريق الإنشاء (2).

ومتعلّق هذا الاعتبار تارة يكون ثبوت شيء في ذمة المكلف، بمعنى أن الشارع اعتبر ثبوت شيء في ذمته، وهذا هو الوجوب، وتارة يكون حرمان المكلف من شيء، وهذا هو الحرمة، وثالثة: يكون اعتبار الترخيص، وهذا هو إما الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب، على اختلاف بينها، ورابعة: يكون اعتبار حصول شيء مثل الملكية أو الزوجية ..... وعليه فاعتبار الشارع شيئاً يعني تشريعه كحكم. وهذا الذي ننسبه إلى الشارع فعله ولكنّه فعله الاعتباري، فلأنه لو لم يكن كذلك، فهو يعني أنَّه فعله التكويني، ومعلوم أنه ليس هكذا.

(3)

"

وعالم الاعتبار ليس مختصاً بالشارع، بل هو عالم قائم عند العقلاء على مصراعيه بتمام معنى الكلمة، وقد تمَّ - ولا يزال - سنّ القوانين البشرية في إطار هذا العالم، يقول أحد الفقهاء: «لولا

(1) في مقابل من يقول بأنه عبارة عن الإرادة والكراهة، أو الرضا والغضب. (2) في مقابل من يقول بأن الإنشاء هو الذي يوجد الحكم.

(3) ولتوضيح ذلك نقول: إن الحكم الشرعي متكوّن من عنصرين، أحدهما: اعتبار يتم من قبل الشارع، والآخر: إبراز الشارع لذلك الاعتبار، وتوضيح العنصرين كما يلي:

أولاً: حصول الاعتبار من قبل الشارع: إن تشريع الحكم، يتضمن صدور اعتبار من الشارع والاعتبار الصادر من المولى الحكيم على قسمين: 1) قسم يتمحور حول الاقتضاء أو التخيير، وهذا ما يسمى الحكم التكليفي، وهذا الاعتبار على أنحاء، تارة يكون ما يعتبره الشارع هو الثبوت في الذمة، واعتبار هكذا يعني أن المولى الخالق يثبت شيئاً في ذمة عبده المخلوق، وكأنه يجعله ديناً عليه، فقد ورد في بعض الروايات «أَنَّ دَين الله أحق أن يقضى»، ومثل هذا يعبر عنه بالوجوب، انطلاقاً من كون الوجوب بمعنى الثبوت، وأخرى يكون ما يعتبره الشارع هو حرمان عبده من شيء، بمعنى أن المولى الحكيم يحرم العبد عن شيء ويسد عليه سبيله، كما قد يقال: إن الله تعالى لم يجعل لنا سبيلاً إلى الشيء الفلاني، فيعبر عنه بالحرمة، فإن الحرمة هو الحرمان عن الشيء، كما ورد أن الجنة محرمة على آكل الربا، مثلاً، فإن المراد منه المحرومية عن الجنة، لا الحرمة التكليفية، وثالثة: يكون ما يعتبره الشارع هو الترخيص، وهو الإباحة بالمعنى الأعم، فإنه تارة يكون الفعل راجحاً على الترك، وأخرى بالعكس، وثالثة لا رجحان لأحدهما على الآخر، وهذا الثالث هو الإباحة بالمعنى الأخص. 2) قسم هي الاعتبارات التي لم تتمحور حول الاقتضاء أو التخيير، وهي ما يسمى الأحكام الوضعية، وهي تنقسم إلى قسمين: الأول: ما يتعلق بفعل المكلف، كالشرطية والمانعية والصحة والفساد والثاني ما لا يتعلق به، مثل الملكية والزوجية. ثانياً: إبراز الشارع لذلك الذي اعتبره: إن ما ننسبه إلى المولى الحكيم من إنشاء الحكم، يكون إبرازاً لذلك الذي هو المعتبر (بالفتح) للشارع - أي العنصر الأوّل. وعليه فإن الإنشاء هو مبرز للمعتبر، وليس موجداً له. انظر: مصباح الأصول، للبهسودي، 3: 77.

6 -