النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٩الفقه والفقيه وظهور النظرية الفقهية
سماحة الشيخ أحمد مبلغي
عالم الاعتبار لما قام للذمة معنى، فإن عهدة كلّ شخص وكذلك ذمته عبارة عن اعتبارات الشارع
أو العقلاء بالنسبة إليه».
2 - لحاظات الشارع:
إن لحاظ شيء عبارة عن تصوّره وإيجاده في الذهن، بل يمكن القول: إنَّ اللحاظ ليس كلّ تصوّر للشيء، بل هو عبارة عن توجه النفس إلى الشيء الذي تَمَّ تصوّره، أو أنه هو التصوّر للشيء
مقروناً بالاعتناء به. وعلى أي حال يختلف اللحاظ عن الاعتبار، ذلك أن اللحاظ من مقولة التصوّر، والاعتبار من
الإنشاء والحكم، ولا ربط بينهما ولا ملازمة، فضلاً على أن يكون أحدهما معنى الآخر (3). هذا، وأن للشارع لحاظات كما أن له اعتبارات، ولا نريد بذلك القول بأن لحاظه هو عبارة إيجاده للشيء في الذهن، حتَّى يقال: إنه لا ذهن له، بل المقصود من نسبة اللحاظ إليه هو أن هناك موارد تتضمن توجه عناياته إلى بعض الأمور من دون أن تكون هذه العنايات من سنخ عناياته التي هي جاعلة للحكم، أي التي عبرنا عنها باعتبارات الشارع.
وعليه فإن مجرد لحاظ الشارع لا يلازم اعتباره، فضلاً على أن يكون هذا بمعنى ذاك. ويحسن الالتفات إلى أن المشكلة التي تواجهها دراساتنا حول عنايات الشارع، هي عدم الفصل بين «العنايات اللحاظية للشارع، والعنايات (الاعتبارية له، مِمَّا جعلنا نفقد الكثير من زوايا النظر، والحقائق العلمية والدقائق الفنية والمجالات البحثية في الفقه
والسؤال هنا: ما هي موارد لحاظات الشارع التي لم يتمّ فيها جعل وحكم من جانبه؟ نقول: إنّ هذه قضية مهمة بحاجة إلى بحوث واسعة ومعمقة، غير أنه على سبيل المثال يمكننا ذكر موردين:
•
موضوعات الأحكام:
إن من جملة ملحوظات الشارع، موضوعات الأحكام، فإن الموضوع ليس مِمَّا يتوجه إليه جعل الشارع، وعليه فإنّ الموضوعات لا تعد من معتبرات الشارع، بل الجعل إنَّما يتوجه إلى أحكام الموضوعات، بمعنى أن الحكم هو المجعول لا موضوعه. نعم، هناك بعض الموضوعات يجعلها ويصنعها الشارع، وهي التي تسمَّى الموضوعات المخترعة (مثل الصلاة)، ولكن بحثنا هنا ليس فيها، بل البحث في نوع الموضوعات، فإنها ليس مِمَّا يعتبرها الشارع بل المعتبر والمجعول إنما هو أحكامها.
(1) القواعد الفقهية السيد البجنوردي، 4: 59 (2) نهاية الأفكار، تقرير بحث آقا ضياء العراقي، 1: 104.
(3) انظر: أنوار الهداية، 1: 138.
39
39