النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٠

40

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وعليه، فكل قضية فقهية متشكلة من ملحوظ ومعتبر، أي من الذي لاحظه الشارع وهو الموضوع، ومن الذي اعتبره وجعله، وهو الحكم، وطبعاً فإنَّ الصلة بين الملحوظ والمعتبر، هو أن المعتبر المجعول تمَّ جعله للملحوظ.

ولعله لذلك ورد حول الموضوع التعبير بلفظة (الملاحظة، لا لفظة (الاعتبار» في كلام بعض

الفقهاء (1).

حكمة

• حكم الأحكام:

قطعاً،

(2)

لا شك أنّ لكلّ «اعتبار تشريعي حاصل من قبل الشارع، أي: الحكم الذي قام الشارع بجعله يمكن أن نسميه حكمة الاعتبار)، أو حكمة الحكم وحكمة الاعتبار ليست نفسها معتبرة للشارع، بل هي ملحوظة له، بمعنى أن كلّ حكمة هي وراء الحكم المجعول للشارع، يتعلق به لحاظ الشارع في مرتبة متقدمة على تشريع الحكم الذي هو ذو هذه الحكمة، فلحاظ الحكمة من مبادئ الجعل والحكم وليس أمراً داخلاً في متعلّق الجعل نفسه. وعليه فإنَّ هناك شيئين: حكم شرعه الشارع، وحكمة لاحظها الشارع. وفي ما لذلك: يلي أمثلة

- المثال الأوَّل: لحاظ حكمة الابتعاد عن الحرج وراء تشريع أحكام:

صحيح

أن الفقه الإسلامي يتضمّن قاعدة نفي الحرج»، غير أنَّ نفيه للحرج، ليس مقصوراً على مثل هذه القاعدة التي تطلب من المكلف أن يكون له العمل المبتعد عن الحرج»، بل قد بنى الشارع نفسه الكثير من أحكامه على الابتعاد من الحرج، ففي مثل هذه الأحكام لاحظ الشـ الشارع مصلحة ابتعاد عباده عن الحرج وراء أحكامه هذه كحكمة، وقد عبّر أحد الفقهاء عن مثل هذه الأحكام بأنها أحكام مبنية على الرخصة الملحوظ فيها [الابتعاد عن الحرج حكمة للحكم لا علة، كالقصر في السفر، واعتبار الظن في الصلاة، ونحو ذلك.

وتنبغي الإشارة إلى أنَّ الموارد التي صرّح الشارع فيها بإرادته لليسر، كقوله سبحانه: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]، خارجة عن الذي هو المبحوث عنه هنا،، أي: ما كان ملحوظاً للشارع، ذلك أن موارد التصريح تعد من موارد اعتبارات الشارع، لا لحاظاته، ولذلك ابتنيت على أساسها قاعدة اليسر، وقاعدة نفي الحرج. وبتعبير آخر: هذه الموارد يكون نفي الحرج فيها متضمناً للحكم الذي هو معتبر أما الذي نبحث عنه هنا هو الابتعاد عن الحرج الذي هو كحكمة للحكم، لا علة له وبينهما

للشارع، اختلاف شاسع.

(1) كتاب الصلاة، الحائري: 231.

(2) ومثالا على ذلك ما قاله أحد الفقهاء من أن حكمة اعتبار الشارع والعرف لإقرار البالغ العاقل على نفسه: أن الظاهر أن الانسان غير متهم في ما يخبره مِمَّا يكون عليه» (رسائل فقهية، الشيخ الأنصاري، 199).