النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣نظرية الاستطاعة
د. نور الدين مختار الخادمي
|
383
بالاستطاعة هي: مظاهر الاستطاعة من جهة الحاكم، ومن جهة الحكم الشرعي، ومن جهة المحكوم عليه، ومن جهة الفعل المكلف به. وهو ما نبينه في المطالب الآتية:
المطلب الثاني: مظاهر الاستطاعة من جهة الحاكم الأعلى سبحانه
كما
جهة الحاكم هي أولى الأنواع الأربعة لمبحث الحكم الشرعي، وتعالى الله أن يكلف عباده بما
وعد
لا يستطيعون، وقد وصف نفسه بأنه الرؤوف والرحمن والرحيم والحكيم والعادل والغفار والعفو. بأنه لا يكلف النفس إلا بما في وسعها وبما أتاها، وبين أن الدين رحمة ويسر ونور وهدى وبشرى وخير .. وهذا وغيره يفيد بالقطع واليقين: أن الشارع الأعلم الأحكم لا يجري التكليفية على خلاف ما يستطيع الناس ويقدرون عليه. وقد أراد ذلك سبحانه تفضلاً وإحساناً ورحمة وعدلاً، وله ما أراد عزَّ جاره إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} [المائدة: 1]. {
المطلب الثالث: مظاهر الاستطاعة من جهة الحكم الشرعي
أحكامه
الحكم الشرعي: هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلفين بالاقتضاء والتخيير والوضع. ومعلوم أن هذا الحكم موجه إلى الإنسان المكلف البالغ العاقل القادر على تلقيه وتحمله وتنزيله وتبليغه وتجديده وتفعيله. ويدل على هذا مجموع نصوص الشرع المقررة لحقيقة الاستطاعة في التكليف ولمبادئ التيسير والتخفيف ورفع الحرج والضرر والفساد. وكل هذا معلوم في موضعه من هذا البحث). ومعلوم - كذلك - أن العارف بالحكم الشرعي وقسميه الكبيرين «الحكم التكليفي والحكم الوضعي، والعارف بأقسام الحكم التكليفي الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح»، والعارف بأقسام الحكم الوضعي السبب والشرط والمانع والعزيمة والرخصة والصحة والبطلان»؛ فالعارفون بهذه الأقسام وبياناتها العلمية، يدركون مظاهر شتى وشواهد عدة على قيام الاستطاعة في كل ما يؤديه الإنسان المكلف من أفعال واردة في هذه الأقسام. وأكتفي في هذا السياق ـ وباختصار وإجمال شديدين - الإشارة إلى بعض هذه الشواهد على النحو التالي: الواجب باعتباره أحد أقسام الأحكام التكليفية، يشترط فيه الاستطاعة والقدرة، فلا واجب مع العجز. المندوب باعتباره قسماً آخر، يتضمن تخيير المكلف بين الفعل وعدمه، غير أن الشرع يرغب فيه ويحث عليه. والتخيير والترغيب كلاهما في مقدور الإنسان.
المباح تبرز فيه بقوة حالة التخيير أي تخيير المكلف بين الفعل والترك، وهنا تبرز بقوة استطاعة الإنسان، فإذا عدمت الاستطاعة أو ضعفت، يكون بوسع المكلف اختيار الفعل أو الترك
بحسب كل ذلك.
(1) انظر حقيقة الاستطاعة في نصوص
الشرع.