النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٨٤

384

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أقسام الحكم الوضعي، كالسبب، والشرط مما يتصور حضور الاستطاعة فيها، فزوال الشمس باعتباره سبباً لوجوب الظهر، هو في مقدور المكلف من جهة القدرة على معرفته ورؤيته وإدراكه وترتيب الأداء عليه، والشرط كذلك؛ فيكون بوسع المكلف أن يضع الشرط ويلتزم به، كاشتراط تأجيل الثمن في البيع أو اشتراط إقامة الزوجة مع زوجها في بلاد الغربة، والمانع كذلك، فانتفاؤه جار على وفق استطاعة الإنسان وقدرته

الرخصة تتجلّى فيها عظمة التيسير، ومكانة القدرة الإنسانية على الالتزام بالتكليف الإسلامي، فهي بدل عن العزيمة، بسبب تعذر فعل الأصل، أو هي أحكام استثنائية لقيام المانع على فعل الأحكام الأصلية، فمردها ـ إذاً ـ عدم الاستطاعة؛ فإذا عدمت الاستطاعة صير إلى فعل الرخص التي هي في مستطاع الإنسان المترخص. فالتيمم رخصة لمن لا يستطيع الطهارة بالماء، بسبب فقدان الماء، أو بسبب المرض والهلاك. والإجارة السكنية رخصة مستثناة من عموم النهي عن الجهالة والغرر، غير أنها جائزة؛ لأنه لا يسع الإنسان أن ينتفع بالسكنى إلا بمرور مدة الإجارة

(سنة أو شهر)، مع ما في ذلك من احتمال انقطاع هذه المنفعة أو حدوث غرر أو ضرر فيها.

وهكذا يمكننا تقرير جريان شواهد الاستطاعة في كافة الأقسام والأنواع والعناصر المتضمنة في الحكم الشرعي بقسميه الكبيرين، ومعلوم أن بيانات ذلك يتفاوت فيها الباحثون لتفاوت المقامات والسياقات والأغراض والموضوعات والخلفيات.

المطلب الرابع: مظاهر الاستطاعة من جهة المحكوم عليه

المحكوم عليه هو الإنسان البالغ العاقل القادر على تحمل التكليف وتطبيقه. وقد ذكر علماء الأصول شرطين لصلاحية المكلف، وهما:

الشرط 1: أن يكون قادراً على فهم التكليف: ويشترط في التكليف بالنظر إلى المكلف وهو المحكوم عليه فهم المكلف لما كلف به. بمعنى قدرته على تصور ذلك الأمر، والفهم من خطاب الله - جلا جلاله - بقدر يتوقف عليه الامتثال»). فالاستطاعة هنا شرط في فهم التكليف.

(1)

:

الشرط:2: أن يكون المكلف أهلاً لما كُلف به وهو المصطلح عليه بوجود الأهلية. وهي الصلاحية (2) لاستحقاق الحقوق وأداء الواجبات الأهلية مناط التكليف (3). فالاستطاعة هنا شرط

في تطبيق التكليف وأدائه.

(1) الموسوعة الفقهية، 250/ 13.

(2) المرجع السابق، 151/ 7. (3) المرجع السابق، 249/ 13.