النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

نظرية الاستطاعة

د. نور الدين مختار الخادمي

387

الإجماع: قد دل على الاستطاعة، فقد استقر اتفاق الأسلاف والأخلاف على معنى الاستطاعة من حيث المبدأ، وعلى كثير من الأحكام الدائرة مع قدرة الناس على تحملها وأدائها. وهذا موضع بحث يُدعى إليه من يروم في نفسه الكفاءة والرغبة وما يعضد إجماعهم على الاستطاعة، إجماعهم على قاعدة التيسير والتخفيف ورفع الحرج في دين الله تعالى. ومن بعض الشواهد في ذلك: قول عمر: «نهينا عن التكلف». وقول عمرو بن إسحاق عن صحابة رسول الله: «فما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقل تشديداً منهم» (2).

(3)

القياس: فتُلاحظ فيه الاستطاعة من جهة القدرة على الإلحاق والتخريج ومراعاة الفرق والقادح … الاستصحاب وهو إبقاء الأمر ما لم يوجد ما يغيّره 3. ومثاله: إبقاء الدار على ملك صاحبها المالك لها إلى أن يرد ما يدل على زوال الملك وانتقاله. ومظاهر الاستطاعة في الاستصحاب، كونه يقر ما استقرت عليه أوضاع الناس المادية والسكنية والأسرية، كأوضاع الملكيات والزيجات والاستحقاقات، فالأصل في كل ذلك الإبقاء إلى أن يرد ما يخالف ذلك ومن شواهد

الاستطاعة في الاستصحاب - كذلك ـ:

1 - استصحاب قيام الاستطاعة الإنسانية إلى أن يدل ما يفيد خلافها: أي أن الأصل في الإنسان البالغ العاقل أنه قادر على تحمل التكليف، وأداء الوظائف والالتزامات، إلى أن يدل خلاف ذلك، كأن يدل تقرير الطبيب أو شهادات الناس أو قرائن الحال على أن ذلك الإنسان عاجز ومريض وعليل وغير مستطيع وعليه يُناط بذمته ما يكون في مستطاعه، لا ما يتجاوز طاقته وقدرته.

2 - استصحاب قيام قاعدة الاستطاعة في الدين وإبقاء كون التكليف مرتبطاً بها، فلا تكليف بما لا يُطاق، ولا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة. فاستمرار تقرير قاعدة الاستطاعة مبني على أصل الاستصحاب المعهود من الشرع، كاستصحاب العموم إلى أن يرد الخصوص، واستصحاب الإحكام إلى أن يرد الناسخ، والإجمال إلى أن يرد البيان، وهكذا.

الاستحسان وهو الاستثناء من الأصل لمصلحة راجحة كاستثناء النظر إلى المخطوبة من أصل تحريم النظر بشهوة وشبهة إلى المرأة الأجنبية؛ فهذا النظر إلى المخطوبة جار على

مستطاع الإنسان، بخلاف منعه ففيه الشدة والمشقة به.

(1) عمدة القارئ، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، الدهلوي، ص 18. (3) تعليم علم الأصول، الخادمي، ص 276.