النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٨٨388
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
العرف: وهو الأمر الذي تعارفه الناس واعتادوا عليه في أقوالهم أو أفعالهم، كتعارفهم على الإجراءات البلدية والوثائق الإدارية، فهذه أمور أصبحت بمثابة الشروط والنصوص عندهم. وفي مراعاة ذلك تيسير وتخفيف، ورحمة وإجراء للأمور على وفق ما يستطيع هؤلاء الناس، إذ لو منعوا من العرف الصحيح والسليم، لوقعوا في الحرج والمشقة والمفسدة، وللجأوا ربما إلى أفعال أخرى قد تزيد على قدرتهم المعهودة، ولضاعفوا الجهد والطاقة، ولأشرفوا على العجز والتعذر، وهذا كله منافٍ لقاعدة الاستطاعة واليسر.
الاستقراء: وهو تتبع الجزئيات لتقرير قاعدة كلية تحوي تلك الجزئيات. ومثاله: تتبع الأحكام الفقهية الجزئية المتعلقة باشتراط الاستطاعة في التكليف، كالاستطاعة في الطهارة المائية، وفي القيام في الصلاة، وفي أداء الزكاة ببلوغ النصاب وحولان الحول وفي صوم رمضان، وفي الحج، والاستطاعة في الإطعام والإنفاق والإكساء، والاستطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح والسياسة الشرعية والحسبة والقضاء والإفتاء؛ فقد تقررت قاعدة كلية بموجب النظر في هذه الجزئيات المختلفة وتتبعها، وهذه القاعدة هي: أن الاستطاعة شرط في التكليف، أو أن التكليف منوط بالاستطاعة أو أنه لا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة. فقد تقررت هذه القاعدة بموجب الاستقراء وإعماله. ومن هنا يمكن القول بأن هذا الاستقراء باعتباره دليلاً أصولياً شرعياً، قد أطل على مبدأ الاستطاعة في الدين من هذه الجهة، وهو الأمر الذي يقرر اتصال علم الأصول بالاستطاعة.
المطلب السابع: مظاهر الاستطاعة في دلالات الألفاظ على المعاني والأحكام تمثل هذه الدلالات ما يقرب من ثلث العلم الأصولي مع الثلثين الآخرين (الأحكام والأدلة). ويُراد بها معاني الألفاظ وأحكامها وطرق ذلك وقواعده وضوابطه والذي يمكن إيراده في هذه الأثناء، ولكن بإجمال شديد وإطلاق كبير، هو أن أبرز مظاهر الاستطاعة في الدلالات وأعمها وأجملها إن تقرير معاني الدلالات وأحكامها إنما يكون بمقتضى قانون اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وبموجب معهودهم في التخاطب ومقدورهم في الفهم والاستنباط والتفسير والتأويل.
هي:
إن تقرير هذه المعاني والأحكام موكول إلى العلماء بذلك، وليس إلى غيرهم أو من دونهم، فغير العلماء يعجزون عن الفهم والاستنباط والتفسير وإنما يتبلغون ذلك من العلماء. وحتى تبلغهم لذلك تُراعى فيه استطاعتهم وتفاوت مراتبها بتفاوت أحوال هؤلاء.
إعذار العلماء في ما وقعوا فيه من أخطاء وأخلال بسبب عجزهم عن إدراك الصواب والصحيح، فلا يُكلفون إلا بما يكون في وسعهم، استطاعوا تحصيله، وهم يؤجرون بناء على ذلك. فالمصيب ليس كالمخطئ.