النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٩٠390
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
تقرير وسائل المقاصد وربطها بهذه المقاصد، إنما يبرز مراعاة الاستطاعة الإنسانية في تحمل التكليف والقيام بالواجبات المختلفة، وذلك لأن تقرير هذه الوسائل قد ورد مراعاة للطوارئ التي تعرض للناس، والتي لا تنفك عنها الحياة، وعليه - كذلك - يُرخص لهم في استعمال بعض الوسائل الممنوعة في بعض الأحوال؛ رحمة بالناس وتوسعة على العباد). الموازنة بين المصالح والترجيح بينها يرد أحياناً من جهة تعلقه بالاستطاعة الإنسانية، الفردية والجماعية؛ وذلك لأن المصلحة إذا تعذر تحصيلها بسبب العجز، فإنه يُصار إلى تحصيل مصلحة أخرى يُقدر عليها ويُستطاع جلبها، وفقاً لتلك الاستطاعة الإنسانية، ولما هو ممكن ومتاح في الواقع والحياة.
مراعاة مآلات الأفعال: يُنظر فيه أحياناً من جهة مراعاة الاستطاعة الإنسانية، وذلك إذا كان الفعل الإنساني الزائد على طاقة التحمل سوف يؤدي إلى الضرر الشديد والفساد العريض؛ فإنه يُحكم عليه بمنعه وعدم أدائه، حفظاً على حياة الفاعل وسلامته وتوازنه، فمبدأ مراعاة المآلات منظور فيه من جهة الاستطاعة، فلا يجوز القيام بالفعل الشاق مشقة ضارة، أو الفعل الذي تكون قدرة الفاعل فيه ضعيفة؛ لما يؤول إليه من الضرر والهلاك والفساد.
الاجتهاد المقاصدي الذي تستنبط منه الأحكام، وتصدر فيه الفتاوى في ضوء مراعاة مقاصد الشريعة واعتبار قواعدها وشروطها هذا الاجتهاد موكول إلى العلماء المتخصصين الراسخين المحققين، وذلك لأنهم قادرون عليه. أما غيرهم فلا يسند إليهم هذا الاجتهاد بسبب عجزهم أدائه عن وبمقتضى انتفاء الاستطاعة العلمية والتخصصية والتحقيقية. ولو كُلف هؤلاء العجزة بهذا الاجتهاد لوقعوا في الحرج والتعذر، ولأوقعوا في الضلالات والشبهات. ومرد ذلك بالأساس انعدام الاستطاعة وغياب القدرة والإمكان العلمي الاجتهادي المقاصدي.
المبحث الخامس: حقيقة الاستطاعة في علوم شرعية أخرى ومن هذه الفنون فن الفتيا وفن القضاء، وفن السياسة الشرعية والحسبة، فبوسع الناظر أن يلاحظ جريان حقيقة الاستطاعة في هذه الفنون:
ففي فن الفتيات تشترط الاستطاعة فيه، فلا يُكلف إلا بما يقدر على تصوره للواقعة التي يفتي فيها، وبما يتبلغه من معلومات المستفتي مع التثبت والمراجعة والتدقيق كما لا يُكلف بالإفتاء في جميع ما يُعرض عليه من أسئلة، وإنما يجيب عما يكون في مستطاعه من حيث مقدار
(1) قواعد الوسائل، مخدوم، ص
303،