النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤١٥

نظرية تحمّل التبعة

د. هلال بن محمد بن ناصر الراشدي

415

المصطلـ

القانوني مع قواعد الفقه الإسلامي، فمنهم من يرى أن الفقه الإسلامي لا يعرف هذا

النوع من هذه المسؤولية، بينما اجتهد الفريق الثاني في البحث لمستند لها وأصل، وخلص إلى أن الشريعة الإسلاميّة مُمثّلة بخلفائها وقضاتها وفقهائها قد عرفت مسؤوليّة المتبوع عن أعمال تابعه، وذلك استثناء من مبدأ التبعية الفردية الذي أخذت به، بحيث أصبح المرء مسؤولاً عن عمل غيره في بعض الأحوال كمسؤوليّة المُكره والآمر، بالإضافة إلى الأحوال الشبيهة بالإكراه، كما في حالة الصبي المأمور من أبيه والخادم المأمور من سيده.

أدلة القائلين: بأن مسؤوليّة المتبوع عن فعل تابعه لها مستند في الفقه الإسلامي: استعرض هذا الفريق بعضاً من نصوص القرآن والسُّنَّة التي تشتمل على فكرة المسؤولية عن

الغير بمفهومها العام، سواء المسؤولية الدينية أم المالية، ومن هذه الأدلة:

الأدلة من القرآن:

1 - قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم: 6]. 2 - وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: 6]. 3 - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَما وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]. قالوا هذه الآيات تؤكد أساس مسؤولية الإنسان عن غيره من الأهل والولد، ومسؤولية وليّ اليتيم ووصيه عن صيانة مال اليتيم وعدم تسليمه إلا إن أنس، رشده، كما تمنع الآية الثالثة أن يسلم السفيه شيئاً من أمواله إن كان مبذراً. ومن السنة:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْؤُولُ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وهِي مَسْؤُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»).

يقول مصطفى أحمد الزرقاء: إن شروح هذا الحديث لم تتطرق صراحة في بيان شموله إلى الكلام في مسؤولية الأب مثلاً أو الأم عن الأفعال الضارة التي تقع ممن تحت رعايتهم من الأولاد القاصرين، وتلحق أذى أو ضرراً بالغير مما يسمى عند القانونيين: المسؤولية عن فعل الغير، لكن هذا الحديث الشريف بروحه وفحواه يقتضي مسؤولية الأب ومن في حكمه عمن تحت رعايته من

(1) أبو داود: سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت، رقم الحديث (2930)، ج 3، ص 91.