النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤١٧نظرية تحمّل التبعة
د. هلال بن محمد بن ناصر الراشدي
417
يكن الفاعل مجبراً، كما ذكرت المجلة في المادة (1510) قولها: إنه لا ينفذ أمر أحد إلا في ملكه، فلو قال لآخر: خذ هذا المال وألقه في البحر، فأخذه المأمور وألقاه في البحر وهو عالم بأنه لغير الأمر؛ فلصاحب المال أن يضمن الذي ألقاه ولا شيء على الأمر ما لم يكن مجبراً.
إن سبب مسؤولية المأمور من دون الآمر هو: أن الأمر لم يكن من نوع الإكراه الملجئ، وعلى ذلك فمعيار المسؤولية هنا هو الإكراه التام الملجئ، وعلى هذا يكون الآمر مسؤولاً عن فعل المأمور، سواء كان العمل في ملكه أم في ملك الغير إذا كان الأمر من نوع الإكراه التام. وهناك أحوال أخرى يكون الشخص مسؤولاً عن عمل غيره، ومن هذه الأحوال الصبي المأمور
من أبيه، والخادم المأمور من سيده والأجير الخاص.
ففي حالة الابن المأمور فقد جاء في كتب الحنفية ما يفيد أنّه إذا أمر الأب ابنه البالغ أن يشعل ناراً في أرضه ففعل واستمرت النار، وانتشرت إلى أرض جاره فأتلف بعض ما فيها؛ فالضمان هنا على الأب، والسبب في عدم ضمان الابن هو اعتبار أن أمر الوالد لابنه بمنزلة الإكراه المعنوي الذي يقضي بوجوب طاعة الابن لأبيه.
أما بالنسبة للأجير فقد عرّف الفقهاء الأجير الخاص بأنه الذي يعمل لواحد عملاً موقتاً بالتخصيص ويستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل»، ومن أمثلته: الخادم في المنزل والعامل في المصنع والأجير في المحل والموظف في الحكومة والسائق للسيارة بالنسبة لمالكها، ومن أهم أحكام الأجير الخاص أنه لا يضمن ما هلك في يده بلا صفه أو هلك عن عمله المأذون فيه، وإنما الضمان في هذا الشأن على السيد والمخدوم. فأجير القصار لا يضمن ما تخرق من عمل مأذون إلا أن يخالف الأستاذ وإذا تخرق ثوب القصارة من دق الأجير المعتاد؛ فلا يضمن الأجير ويبقى الضمان على الأستاذ، أما إذا كان الدق غير معتاد فإن الضمان يكون على الأجير
المسؤولية عن عمال الدولة:
لا
(1)
يوجد في الشريعة الإسلامية أي شخص بمنجاة من المسؤولية بدءًا برئيس الدولة الممثل بالخليفة أو الحاكم حتى أصغر فرد من الناس، فكل شخص مسؤول عن أفعاله وأقواله أمام الله، بالإضافة إلى مسؤوليته أمام المجتمع؛ فقد روي أنّ عُمر بن الخطاب أرسل في طلب مغنيّة، فقيل لها: أجيبي عُمر ففزعت المرأة، وكانت حاملاً، وقالت: يا ويلي ما لي ولعُمر، فأجهضت. فاستشار عُمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليه بعضهم أن ليس عليه شيء، وإنَّما هو وال مؤدب وكان علي بن أبي طالب لم يُبدِ رأيه، فقال عُمر: ما تقول، قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن
(1) مصطفى أحمد الزرقا مسؤولية المتبوع عن فعل، تابعه مجلة المجمع الفقه الإسلامي، ص 1
167