النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٢٠

420

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وجاء في المجموع شرح المهذب: «فأما الأجير الخاص فهو الذي يستأجره مدة؛ فلا ضمان عليه ما لم يتعد».

ويخلص مصطفى الزرقا إلى المبدأ الذي تدل عليه هذه الشواهد الفقهية هو أن قضية مسؤولية الإنسان عن فعل غيره وليس عن فعل نفسه (ليس غريبة عن الشريعة الإسلامية وفقه فقهائها، بل إن شواهدها قائمة في الكتاب والسُّنَّة النبوية الشريفة، وليس مستورداً من القانون الوضعي، وإن كان في القانون منظوماً في نظرية الفعل الضار بصورة منسقة مؤصلة لها مكانها الخاص في النظرية، أما في فقهنا ومصدره فالمبدأ منثور وموزع بين الفروع الفقهية في أبواب عديدة» (2).

أدلة القائلين: بأن مسؤوليّة المتبوع عن فعل تابعه ليس لها مستند في الفقه الإسلامي: تمسّك هذا الفريق بالأصل وهو مبدأ التبعية الفردية القائم على عدم مؤاخذة أحد بجريرة غيره، ورأوا أن ما استند عليه القائلون بمسؤوليّة المتبوع عن فعل تابعه لا يخلو من تكلف، ولا يسلم من نقد في الاستدلال، فالآيات الكريمة والأحاديث النبوية لا دلالة فيها على مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه وفقاً للنظرية القانونية، يتضح ذلك من الآتي:

أولاً: الآيات التي أمرت المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم ناراً وقودها الناس والحجارة، فهي تشير إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سبب للنجاة من النار، ولا دلالة فيها أن الإنسان ملزم بضمان ما اقترفته أيدي أهله، وإنما يؤخذ إن قصر فيما يجب عليه القيام به، كذلك الإنسان مأمور بالمحافظة على أموال اليتامى والسفهاء، ولا دلالة فيها على إلزامه بما لا خطأ ولا تقصير صادر منه، وهكذا يقال في الحديث النبوي: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالمسؤولية أمر والإلزام بالضمان أمر آخر.

ومن ناحية ثانية: فإن هذه الأدلة هي أقرب أن يستدل بها على مسؤولية متولّي الرقابة، وليس على مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه، كما يتضح ذلك جلياً بالرجوع إلى ما ذكرناه سابقاً في كل من النظريتين.

ثانياً: لا يصح الاستدلال بمسؤولية المكره والآمر على مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه؛ لأن سؤولية المكره والآمر تقوم على ما لهما من مساهمة في وقوع الفعل الضار، فهي تقرب من المسؤولية الشخصية، وبالأخص عند من يقيد الإكراه الواقع فيها بالإكراه الملجئ، بينما خطأ المتبوع مفترض قانوناً وقد يتعذر إثباته.

(1) أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي: المجموع شرح المهذب، 100/ 15، مكتبة المسجد النبوي الشريف. (2) مصطفى أحمد الزرقا مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه مجلة المجمع الفقه الإسلامي، ص 163.