النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٢١نظرية تحمّل التبعة
د. هلال بن محمد بن ناصر الراشدي
421 |
ثالثاً: مسؤولية الأمير أو الخليفة عن عمال الدولة:
هذا الاستدلال يمكن القول بقبوله إلا أنه ليس صريحاً، كما أنه تشوبه بعض الاحتمالات، منها: هل دفع الرسول صلى الله عليه وسلم الدية من قبل الوجوب بناء على مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه، أم هو من باب السياسة الشرعية وما لولي الأمر والحاكم من صلاحيات. ومن ناحية ثانية: فإن لبيت مال المسلمين أحكاماً خاصة ليس بالضرورة قيامها على أساس التابع والمتبوع، ومن ذلك فإن بعض الفقهاء يرون أن من وجد مقتولاً ولا يعلم قاتله، أو تعذر دفع ديته فإنها تدفع من بيت مال المسلمين حتى لا يذهب دمه هدراً).
ومن الفقهاء من وجد في نظام العاقلة في الشريعة الإسلامية ما يؤسس لمسؤولية المتبوع عن فعل تابعه، باعتبار أن الفرد هو تابع والعاقلة متبوعة، فهي تتحمل الدية عن تابعها.
ولا شك فإن نظام العاقلة في الشريعة الإسلامية يختلف من حيث الأساس عن نظرية تحمّل التبعة، فنظام العاقلة يقوم على أساس التكافل، ولهذا فإن العاقلة لا تعود على تابعها بما دفعته عنه، كما هو الشأن في نظرية تحمّل التبعة، ومن ناحية ثانية، فإن العاقلة مسؤوليتها محصورة في تحمل دية الخطأ وليس عن كل أفعال تابعها، بينما في نظرية تحمّل التبعة فإن المتبوع يتحمّل كل الأضرار الناشئة عن تابعه عند تأديته لوظيفته أو بسببها.
رأي الباحث
لإبداء الرأي لا بد من معرفة أمرين اثنين أولهما: الظروف التي أدت إلى ظهور نظرية التبعة. وثانيهما: بحث نظرية الضمان في الفقه الإسلامي للوصول إلى مدى توافقها مع نظرية تحمّل التبعة.
الظروف التي أدت إلى ظهور نظرية تحمل التبعة:
نظرية التبعة هي نظرية حديثة فرضها تطور الحياة المعاصرة والثورة الاقتصادية، بحيث أصبح دواعي الوقوع في الخطأ وإلحاق الضرر بالآخرين كثيرة جداً؛ لأن الحياة أصبحت معقدة والأعمال لم تكن بتلك البساطة التي عليها الأجيال الماضية، كما أن تحميل الطبقة العاملة في المصانع والشركات ما يقع من أخطاء بسبب الوظيفة يؤدي إلى ضياع حق المضرورين في الحصول على التعويض، ذلك لأن الطبقة العاملة طبقة فقيرة غالباً ليس بوسعها تحمل تبعة أخطائها، ومن هذا الواقع بدأ البحث عن مخرج قانوني لحل هذه المشكلة، فظهرت نظرية تحمّل التبعة، وبذلك
الله
بن أحمد المقدسي أبو
محمد
المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار الفكر، بيروت، الطبعة
(1) ابن قدامة؛ عبد الأولى، 1405، 515/ 9.