النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٢٤

424

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أولاً: ينبغي النظر إلى مشروعية قدوم الشخص للفعل الذي سبب الضرر، فإما إن يفعل ذلك العمل بصفته أميناً، أو يقع الفعل عرضاً من غير قصد، كأن يطأ الإنسان أثناء مشيه على مال غيره فيتلفه، أو يطلق النار على صيد فيصيب إنساناً فيقتله، ففي هذه الحالة يجب عليه الضمان قصد الإتلاف أم لم يقصد، أخذاً بالقاعدة سالفة الذكر.

أما إن أقدم الإنسان على الفعل بصفته أميناً، وتسبب في إلحاق الضرر بمن ائتمنه؛ فنجد بعض الفقهاء من يلزمه بالضمان مطلقاً جرياً على القاعدة، بينما يذهب الفريق الآخر إلى عدم تضمينه إلا إن ثبت تعديه وتقصيره، وهذا القول هو الذي تقتضيه تفريعات الفقهاء في مسائل الضمان، وهي مسائل كثيرة، نقتصر فقط على الذي يقترب من موضوع بحثنا وهو تضمين الأجير والصناع. المتأمل في تفريعات الفقهاء يجد أن كلمتهم متفقة في تضمين الأجير أو الصانع إن قصر وتعدى، واختلفوا في تضمينهما لم يكن تعدياً أو تقصيراً منه، فمقتضى كلام بعضهم التضمين مطلقاً، ومنهم من يقتضي عدم التضمين ومنهم من يفصل في الموضوع، ويستثنى من التضمين الأمين الذي يقدم خدمة مهنية دقيقة للعامة، والتي تكون احتمالية نشوء الضرر منها بمجرد مباشرة الفعل. ومن أمثلة ذلك الطبيب الذي يجري عمليات من المتوقع أن تؤدي للوفاة، أو حدوث مضاعفات أخرى، فالأصل عدم مساءلته إلا إن أخطأ خطأ جسيماً بسبب إهماله وتقصيره. وكذلك الصانع الذي يقوم بخرز اللؤلؤ وثقبه ونقش الفصوص، فإن تلف من غير تقصير وإهمال في عمله فلا ضمان عليه). ويرى بعض الفقهاء استحساناً الأصل تضمين الصناع حتى يثبت العكس، محافظة على أموال العامة، وسداً للذرائع.

والعلة في عدم تضمين الصناع بمجرد حدوث الضرر، بل اشترطنا الخطأ؛ لأنهم لم يقوموا بالعمل من تلقاء أنفسهم، وإنما بطلب وإذن من صاحب الحق، فإذنه ووضعه للصانع موضع الأمين، أسقط الضمان عنه إلا إن ثبت تقصير الصانع وتضييعه للأمانة.

أما ما يتعلق بالأجير فإن الفقهاء يفرقون بين الأجير الخاص والأجير العام «المشترك»، فالأجير الخاص هو المؤاجر نفسه مدة معينة، أو هو الكائن بدار أحد يخدم ويعمل له، أما الأجير العام أو المشترك، فهو الملتزم عملاً بذمته، فالأول يعتمد على عامل الوقت، بينما الثاني يعتمد على إنجاز العمل، وعليه ففي حكم الضمان فالأول غير ضامن ما لم يتعد، بينما الثاني؛ فإنَّه يلزمه الضمان. ونقل القطب في شرحه على النيل تبرير هذا بقوله: «ووجه القول بضمان المشترك من

(1) أطفيش: شرح النيل، 275/ 10،

(2) يقول قطب الأئمة في شرحه على النيل: «وإنما لم يضمنوا إلا إن زادوا؛ لأنهم أمرهم الشارع بالعمل، وقد علم ما فيه من الغموض والغرر فلم يستحقوا أن يحمل عليهم، وقد كان قصدهم الصلاح ولم يزيدوا على ما أمر الشارع، فلما لم يزيدوا لم يحكم بأن الفساد منهم قطعاً فتغريمهم ظلم لهم». أطفيش: شرح النيل، 275/ 10.