النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
437
حكم الخروج من الخلاف
لا خلاف بين القائلين بالقاعدة أن حكم الخروج من الخلاف هو الندب والاستحباب)، إذ لا يمكن أن يكون واجباً ولا دليل على ذلك، وكذلك لا يمكن أن يكون مباحاً بحيث يستوي الخروج من الخلاف مع الوقوع فيه.
إلّا أن ههنا أمراً يجدر بنا الانتباه إليه، وهو أن «مراتب الندب تختلف بحسب قوة دليل المخالف وضعفه، كما ذكره ابن عابدين (2). وهكذا كلما كان مأخذ المخالف قوياً لائحاً كلما تأكد الندب وعظم طلبه، حتى يصل الوقوع في الخلاف إلى درجة الكراهية.
قال ابن السبكي: «ربما يرقى الخروج من الخلاف عن درجة الاستحباب إلى درجة كراهية الوقوع فيه». ومثل لذلك ببيع العينة، فهو جائز عند الشافعية حرام عند المالكية، ولما كان دليل الحرمة قوياً - لكنها قوة غير كافية ليعتقد الشافعي رجحان مذهب المالكي - كره الشافعية التبايع بالعينة، وأكدوا على تركه خروجاً من الخلاف (4).
علاقة القاعدة بالاحتياط:
قال الشوكاني: «إذا اختلف العالمان في شيء، فقال أحدهما إنه حلال وقال الآخر إنه حرام، وكان كل واحد منهما بمحل من العلم يساوي الآخر في نظر المقلد، فلا شك ولا ريب أن هذا الشيء الذي اختلف فيه العالمان .. لا أن يقال هو من الحلال البيّن ولا من الحرام البين بالنسبة إلى يصح ذلك المقلّد. وكل شيء لا يصح أن يكون أحد هذين الأمرين لا أنه من المشتبهات» (5). ريب العلماء هذه القاعدة الاحتياط) كما يفعل الزركشي (6)؛ لأنَّها تعود إليه، قال: «قد راعى
ويسمي
الشافعي وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة .. وأكثره من باب الاحتياط والورع».
لهذا أقول: إن العمل بقاعدة الخروج من الخلاف احتياط صرف، فالقاعدة نفسها هي الاحتياط، أعني: إنها نوع من أنواعه، وكذلك اعتبرها ابن السبكي).
(1) انظر: الأشباه للسيوطي: ص 94 مواهب الجليل: 205/ 1.
(2) رد المحتار: 278/ 1 (3) الأشباه: 116/ 1. مسألة
بيع العينة: فتح العزيز 231/ 8، وانظر التلخيص الحبير بهامشه.
(4) راجع في (5) كشف الشبهات: 5.
(6) المنثور: 133/ 2.
(7) البحر المحيط: 310/ 8. وانظر قواعد الأحكام: 215/ 1 - 216. (8) راجع الأشباه: 110/ 1 - 111.