النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٣٩معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
439
قال بعض الحنفية: قال الحصكفي: يندب الخروج من الخلاف .. لكن بشرط عدم لزوم ارتكاب مكروه مذهبه» (1).
وقد ذكر ابن السبكي مثالاً لهذا الشرط، قال: «فصلُ الوتر أفضل من وصله لحديث: ولا تشبهوا بالمغرب. ومنع أبو حنيفة فصله .. ». فهنا لا يستحب الخروج من خلافه؛ «لأن الوصل يلزم منه ترك سنة ثابتة» (3).
ومن
أمثلته عند الحنفية ما ذكره ابن عابدين، قال: « .. التغليس في صلاة الفجر، فإنه السنة عند الشافعي مع أن الأفضل عندنا الإسفار فلا يندب مراعاة للخلاف .. » (4)، يعني لأنها توقع في أمر مكروه عند الحنفية، وهو التغليس.
3 - يشترط أن يكون الجمع بين المذاهب ممكناً، وذلك بـ ألا يوقع مراعاته (أي الخلاف) في خلاف آخر، ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله، ولم يراع خلاف أبي حنيفة لأن من العلماء من لا يجيز الوصل» (5).
وحاصل هذا الشرط: أن الخروج من الخلاف إذا كان يترتب عليه الوقوع في خلاف آخر - غير هذا الذي خرج عنه ـ فإنه لا يستحب. ويبدو لي - والله تعالى أعلم ـ أنه حين يكون في المسألة رأيان مخالفان - الرأي هذا الذي يود الخروج من الخلاف - فإنه ينظر في دليليهما، فإذا كان أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً فالظاهر أن اعتبار الأول، مستحب، ولو أوقع ذلك في مخالفة الثاني؛ لأنه ضعيف المأخذ فلا نلغي العمل بالقاعدة لمجرد وجود أكثر من خلاف في
المسألة.
ثم إن الأخذ بهذا الشرط يترتب عليه إلغاء العمل بالقاعدة في قسم هام من الخلافيات، ولعله القسم الأكبر؛ وذلك لأن كثيراً من المسائل الخلافية يكون فيها أكثر من قولين، أعني أن الخروج من الخلاف ـ في مسائل لا حصر لها ـ لا بد أن يؤدي إلى الوقوع في خلاف آخر.
مراتب الخلاف
لا يعتبر العلماء كل خلاف، ولا الخلاف من حيث هو خلاف، بل العبرة بالدليل ومدى قوته
وضعفه
(1) الدر المختار: 278/ 1 - 279
(2) الأشباه لابن السبكي: 112/ 1. والحديث رواه الدارقطني وابن حبان والحاكم، عن أبي هريرة.
(3) الأشباه لابن السبكي: 112/ 1.
(4) رد المحتار: 379/ 1 (5) الأشباه للسيوطي: ص 94.