النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٤٣443
|
معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
سودة قط»). فهنا تنازع سعد وعبد في الغلام، فسعد يقول: قد أوصى إليَّ أخي، وقال إن «ابن عبد» مني فاقبضه إليك؛ فالغلام ابن لعتبة، لكن من، زنا، وكان هذا في الجاهلية. أما عبد فيقول: إن هذا الولد ولد على فراش أبي؛ لأنَّ أم الغلام هي أمة زمعة، فهي فراش له. فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الولد أخ لعبد، إذ الولد للفراش، لكن لما رأى النبي له أن الغلام يشبه عتبة أمر سودة بالاحتجاب من الغلام، رغم أنه أخوها في الحكم، وذلك لأن احتمال كون الغلام هو فعلاً ابن لعتبة احتمال قوي جداً، بالنظر إلى الشبه البيّن بينهما. فهذا حكم بين حكمين، وفيه مراعاة للدليلين معاً، إذ راعى النبي صلى الله عليه وسلم أن الولد ولد على فراش زمعة فحكم بأنه أخو عبد، وراعى الشبه فحكم على سودة بالاحتجاب منه، فلم يكن أخاً لها.
النبي
وهذا الحديث أقوى أدلة مراعاة الخلاف، قال عنه ابن عبد البر: «من أصح ما يروى عن أخبار الآحاد العدول» (2). كما رواه أيضاً الإمام الربيع في الجامع الصحيح، في باب
من في الرجم والحدود.
قضية خلافية مهمة بين القائلين بمراعاة الخلاف
اتفق جمهور المالكية - الذين قالوا بصحة مراعاة الخلاف - على أنه يراعى الخلاف بعد وقوع النازلة، فالنكاح الفاسد لا يجوز عقده أبداً، وإذا أدرك قبل الدخول فسخ - بغير طلاق - إلزاماً. لكن لو مضى هذا النكاح ووقع، فهنا يقول المالكية: نراعي الخلاف ونعتبر أن العقد الفاسد كالصحيح، وفاقاً لمن يرى ذلك من الفقهاء.
أما قبل وقوع النازلة فهل ينظر إلى خلاف المخالف ويراعى أم لا اعتبار به أصلاً، بل يجري
الفقيه على ما يعتقده من الرأي الراجح؟ هذه قضية مهمة اختلف فيها المالكية على قولين
حقيقة مراعاة الخلاف
اعتماد
من المعروف أن الشريعة وضعت لمصالح العباد، وأن قصدها الأعظم هو جلب المصالح ودرء المفاسد. لكن كثيراً ما يحدث أن تتعارض المصالح المعتبرة وتختلف في الأمر الواحد، فتتحقق مصلحة ما في جهة معينة بينما تتحقق مصلحة أخرى في الجهة المقابلة. فالحكم هنا الترجيح بين هذه المصالح المتعارضة. وقد يكون هذا الترجيح جلياً قوياً بالنسبة للمجتهد بحيث لا يرى للمصلحة المرجوحة موقعاً ولا اعتباراً، لكن يمكن أن يتحقق ترجيح لا يسقط معه اعتبار الجهة
(1) رواه البخاري في مواضع، منها البيوع والخصومات. ومسلم في الرضاع. وأبو داود في الطلاق .. وغيرهم. (2) التمهيد 181/ 8
(3) شرح المنجور 1 ملزمة،13، ص 3. تكملة ميارة: 2/ ملزمة 20، ص 6.
هو