النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٤٤444
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
(1)
المرجوحة كلية، فيرى المجتهد في هذه الجهة معنى ما ـ أو مصلحة ما ـ، يحتمل أن يكون مقصوداً للشارع. «ومراعاة الخلاف» تنشأ من هذا الاحتمال، بحيث يعمد الفقيه إلى إعطاء الدليل المخالف الذي يحقق المصلحة المرجوحة - شيئاً من أثره، أو يعمد إلى تخريج الفتوى بناء على هذا الدليل المرجوح، إذا كان عمل المكلف قد تم على وفقه. يقول الشاطبي في هذا المعنى: « … وأما إن ترجحت إحدى الجهتين على الأخرى فيمكن أن يقال: إن قصد الشارع متعلق بالأخرى، إذ لو كان متعلقاً بالجهة الأخرى لما صح الترجيح … ويمكن أن يقال: إن الجهتين معاً عند المجتهد معتبرتان؛ إذ كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المقصودة للشارع. ونحن إنما كلفنا بما ينقدح عندنا أنه مقصود للشارع، لا بما هو مقصوده في نفس الأمر، فالراجحة - وإن ترجحت - لا تقطع إمكان كون الجهة الأخرى هي المقصودة للشارع. إلا أن هذا الإمكان مطرح في التكليف - إلا عند تساوي الجهتين - وغير مطرح في النظر. ومن هنا نشأت قاعدة مراعاة الخلاف عند طائفة من الشيوخ .. ».
علاقة مراعاة الخلاف بالاحتياط
إن الصلة بين مراعاة الخلاف وبين (الاحتياط» مؤكدة عند القائلين بمراعاة الخلاف، فهذا لا نزاع فيه. لكن هذه العلاقة غير واضحة ولا محددة، والذي زاد في التباسها أن بعض العلماء اعتبر ـ كما رأينا سابقاً - أن مراعاة الخلاف نوع من الاستحسان. فهل مراعاة الخلاف احتياط أم استحسان (4)؟
والذي ظهر لي أن مراعاة الخلاف قبل الوقوع يرجع إلى الاحتياط، في أكثر الحالات؛ بينما يعود القسم الآخر - بعد الوقوع - إلى الاستحسان، في غالب الأحيان، ثم إن من أسباب هذا
الاستحسان الاحتياط أيضاً، كما في حديث زمعة، إذ أمر النبي السودة بالاحتجاب احتياطاً. وهذا التفصيل ظاهر كلام المقري أيضاً: « … وأقول: إنه يراعى المشهور، والصحيح قبل الوقوع .. توقياً واحترازاً كما في الماء المستعمل، وفي القليل بنجاسة على رواية المدنيين؛ وبعده تبرؤاً وإنفاذاً كأنه وقع عن قضاء أو فتيا، لا فيما يفسخ من الأقضية، ولا يتقلد من الخلاف (5) .. » (6).
(1) قال عبد الله دراز بالهامش: «لعل صوابها غير متعلق، يعني: وحينئذ فليس للشارع إلا جهة واحدة تقصد بالطلب … » اهـ. وهذا هو الظاهر. فلعله خطأ من الناسخ.
(2) الموافقات: 24/ 2 - 25. وقد أرجع الشاطبي مراعاة الخلاف إلى اعتبار المآل راجع ذلك في الموافقات: 140/ 4، 146 فما بعدها. (3) راجع أحكام القرآن لابن العربي: 476/ 1) (النساء 22). شرح ابن ناجي للرسالة: 37/ 2. المعيار: 38/ 12. تكملة ميارة للمنهج المنتخب: 2/ ملزمة 20، ص 6.
(4) لقد فرق الفقيه المالكي صالح أبوم محمد بين الاستحسان ومراعاة الخلاف انظر الفكر السامي: 285/ 1 (5) يعني: أنه لا يُراعى الخلاف إذا كان شاذاً ينقض على القاضي لو حكم به، أو كان لا يجوز التدين به وتقليد من قال به. (6) القواعد: 236/ 1 - 237.