النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٤٨448
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
6 - اختلاط الحلال بالحرام له أحوال: فلا يخلو إما أن يكون امتزاجاً بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط المائعات، أو يكون اختلاط اشتباه مع تمييز الأعيان في أنفسها كاختلاط العبيد والثياب»). وفي حالة الامتزاج إذا ظهر أثر الحرام كانت الغلبة له .. أما لو لم يتغير شيء من ذلك واستهلك الحرام في الحلال، فهنا معترك النزال وتلاطم أمواج الأقوال»، كما قال ابن
القيم
(2)
الحالة الثانية: اختلاط حلال محصور بحرام غير محصور: وهذه الحالة أشد من الحالة الأولى؛ لأنَّ الحرام هنا كثير لا ينحصر، وهو هناك منحصر. والظاهر أن الاجتناب واجب، كما هو
اختيار الغزالي
(3)
الحالة الثالثة: اختلاط حلال غير محصور بحرام محصور: كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير، فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد، بل له أن ينكح من شاء منهن» (4). وليس علة الجواز الكثرة فقط، إذ لو كان كذلك للزم إذا اختلطت رضيعة بعشر أجنبيات أن يجوز النكاح، ولا صائر إليه، بل السبب تركب من الغلبة، والحاجة إذ كل من ضاع له رضيع لا يمكن أن يسد عليه باب النكاح). لهذا كان حكم الحرام المنغمر في حلال كثير هو العفو، وذلك من باب التيسير ورفع الحرج.
وهذا الحرام ليس - بالضرورة - نادراً، بل يجوز أن يكون كثيراً؛ لكن لما اختلط بحلال لا ينحصر، صار الحرام بالنسبة إليه قليلاً، فألغي اعتباره.
الحالة الرابعة: اختلاط حلال غير محصور بحرام غير محصور: كحال الأسواق الكبيرة التي يباع فيها المغصوب والمسروق، وما أخذ بعقد فاسد أو باطل … إلى جوار ما حصل عليه بسبب شرعي صحيح. ومن هذا أيضاً أملاك الناس في مجتمعاتنا المسلمة، ففيها حرام كثير (بسبب أموال الربا والقمار والخمر، وأنواع الغش والتدليس والمخالفات الشرعية … )، وفيها حلال كثير (بسبب التصرفات الصحيحة في البيوع والإجارات والإرث … ). والظاهر أن الفقهاء ـ أو على الأقل جمهور الفقهاء - متفقون مع الغزالي الذي أفتى بأنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام؛ فإن لم يكن في
35
(1) الورع: ص (2) بدائع الفوائد: 257/ 3 - 258. راجع المنثور:.126/ 1 قواعد ابن رجب: ص.232. وهذا الباب يرجع إلى القياس على مسألة الطاهر المائع إذا خالطته نجاسة، لكنها تلاشت فيه ولم يظهر أثرها للناظر، وفيها اثنا عشر مذهباً. (3) الإحياء: 116/ 2.
(4) الإحياء: 116/ 2
(5) الورع ص 35.