النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٥١معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
451
قاعدة الذرائع والحكم بها، أما أصلها فثابت؛ ولهذا تجد أن أكثر الأصوليين المعاصرين - على اختلاف اتجاهاتهم الفقهية - يقولون بحجية سد الذرائع.
ولا أحب الدخول في هذا الموضوع، وفي تفصيل قضية سد الذرائع على العموم، فهذا قد كتب فيه الكثير، حتى اتضحت أكثر جوانبه، ولم يعد فيه إشكال. لكن غرضي من هذا الموضوع أن أبين أن سد الذرائع هو في حقيقته احتياط.
وجه كون سد الذرائع من الاحتياط:
الواقع أن اعتبار سد الذرائع احتياطاً أمر واضح في نفسه، ولا يحتاج إلى دليل، وذلك لأن الذريعة لا تكون إلا مباحة، قال البرهاني: «العلماء متفقون على أن الوسيلة لا تكون ذريعة، بالمعنى الخاص، إلا إذا كانت مباحة جائزة متضمنة لمصلحة. فالوسيلة المحظورة الممنوعة ليست ذريعة في هذا المعنى. ولهذا جرى الخلاف حول سدها، ولو كانت ممنوعة لما جرى خلاف حول سدها» (2). فالذي يمنع هذه الذريعة - رغم أنها مباحة بحسب الأصل - ثم يعلل ذلك بأنه يخاف أن تؤدي إلى الممنوع الذي هو حرام الذي يفعل ذلك إنما يعمل - في حقيقة الأمر ـ بالاحتياط، فهو يحرص على عدم الوقوع في الحرام، حتى لو كان الشيء - الذي قد يؤدي إلى محظور - مباحاً عنده في الأصل، فإنه يمنعه .. أي احتياطاً.
الاحتياط والذرائع، بالنظر إلى درجات إفضائها إلى المفاسد:
تبدو بجلاء علاقة الاحتياط بسد الذريعة من خلال مراتب الاحتمال في إفضاء الذرائع إلى المفاسد. وكما أن نسبة الاحتمال في إفضاء الذريعة إلى نتيجتها، لها دور حاسم في تحديد حكم الذريعة فتحاً أو سداً (3)، فكذلك لهذه النسبة دور حاسم في وجوب الاحتياط أو ندبه أو إهماله بالمرة؛ وقبل ذلك يتوقف اعتبار سد ذريعة ما احتياطاً أم لا على وجود هذا الاحتمال أو عدمه. الإفضاء المحقق: لا خلاف بين العلماء أن الوسيلة إذا أفضت إلى المفسدة الحرام، وكان هذا الإفضاء قطعياً - أو قريباً من القطع، أنها لا تجوز بل تمنع. وإطلاق لفظ «سد الذريعة»
(4)
(1) راجع شرح التنقيح: 448 - 449. الفروق: 32/ 2 - 33، و 266/ 3 - 268 الموافقات: 100/ 1 فما بعدها 252/ 2 - 255، ص 264 فما بعدها، وهي المسألة الخامسة، 144/ 4 - 145. البحر المحيط: 89/ 8 فما بعدها أعلام الموقعين: +135/ 3 - 159. مقاصد الشريعة، الطاهر ابن عاشور: 116 - 119 كتاب «سد الذرائع في الشريعة الإسلامية لهشام البرهاني، وهو جامع في الموضوع.
(2) سد الذرائع: 78. (3) نظرية التقريب: 441
(4) شرح التنقيح: 448. الفروق: 266/ 3 (الفرق (194). البحر المحيط 93/ 8. نظرية التقريب: 419. سد الذرائع للبرهاني:
109