النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٥٣معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
453
(أي مشروعية أصل الاحتياط) معلوماً على الجملة والتفصيل، فليس العمل عليه ببدع في الشريعة، بل هو أصل من أصولها».
على أن هناك أمرين ينبغي مراعاتهما في هذا الموضوع - كما نبه على ذلك الريسوني - وهما: النظر إلى خطورة المفسدة المتذرع إليها والنظر إلى المصلحة التي تفوت الناس عند سد الذريعة عليهم ..
(2)
المبحث الخامس: حجية الاحتياط
كل ما يصلح دليلاً على حجية سد الذرائع يصلح كذلك على حجية الاحتياط؛ ولا معنى لسرد هذه الأدلة، وذكرها فقد تكفلت بذلك كتب أخرى (3).
لهذا سأوجه عنايتي إلى الاستدلال على الاحتياط بحجج جديدة أكثرها لا يذكر في مقام الاحتجاج لسد الذرائع، وهي تفيد معنى أعم من معنى الذرائع، أي تفيد معنى الاحتياط المطلق.
أدلة الاحتياط من القرآن الكريم:
1 - قال الله - جل جلاله -: والطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَنِ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا اتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا
فِيمَا أَفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} [البقرة: 229].
قال ابن عطية: «قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ … أي هذه الأوامر والنواهي هي المعالم بين الحق والباطل، والطاعة والمعصية، فلا تتجاوزوها. ثم توعد تعالى على تجاوز الحد ووصف المعتدي بالظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، والظلم معاقب صاحبه (4).
ثم نظرنا إلى قول الله - سبحانه - الآخر في بيان أحكام الصوم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلَا تُبْشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ عَايَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 187].
(1) الموافقات: 276/ 2.
(2) نظرية التقريب: 427 - 428.
(3) وقد اعتنى الأستاذ هشام البرهاني بالاحتجاج لسد الذرائع، وأورد أدلة هذه القاعدة من الكتاب والسُّنَّة واجتهادات الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب المتبوعة، فاستغرق ذلك ثلث الكتاب، من ص 329 إلى 672 من سد الذرائع في الشريعة الإسلامية». (4) المحرر الوجيز: 202/ 2، وانظر: ص 95.