النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٥٤454
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وهذه من أهم الآيات الدالة على مشروعية الاحتياط ووجوبه أحياناً، ويتضح ذلك إذا عرفنا أن بعض الناس استشكل قوله تعالى: {فَلَا تَقْرَبُوهَا» مع قوله - في الآية الأخرى -: {فَلَا تَعْتَدُوهَا … فنهى في الآية الأولى عن مجرد الاقتراب من حدود الله سبحانه، بينما وقع النهي في الثانية عن مجاوزة الحدود، ومفهوم ذلك جواز قربانها.
وقد أجاب الزمخشري عن هذا الإشكال، قال: « .. قلتُ: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيّز الحق فنهى أن يتعداه؛ لأنَّ من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل ملك حمى، وحمى الله
محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»؛ فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد». وعلّق على ذلك القاضي أحمد بن المنير المالكي بقوله: وفي هذه الآية دليل بيّن لمذهب مالك في سد الذرائع والاحتياط للمحرمات، لا يدافع عنه».
2 ـ قال الله - جل جلاله -: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمُ﴾ [الحجرات: 12]. قال ابن السبكي: «قد اتفق لي مرة الاستدلال على هذه القاعدة (أي الاحتياط) بقوله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. فلا يخفى أنه أمر باجتناب بعض ما ليس بإثم
خشية من الوقوع في ما هو إثم، وذلك هو الاحتياط. وهو استنباط جيد» (3). وقال أيضاً: « .. استثناس حسن، ذكرته لأبي أيده الله فأعجبه» (4)؛ أي تقي الدين السبكي.
هو
3 ـ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
4 - قال جل من قائل وعز: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَأَكْتُبُوهُ) [البقرة: 282]. لا خلاف بين الفقهاء في أن تشريع الكتابة إنما كان على وجه الحيطة للناس» (5). فعلة تشريع الكتابة - وكذلك الإشهاد - هي الاحتياط للأموال وقطع أسباب التنازع والخصام. هذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف واقع في حكم هذا الاحتياط، فقد ذهب الجمهور - بمن فيهم الأئمة الأربعة - إلى أنه احتياط مندوب ومستحب، واختار آخرون - منهم الطبري والظاهرية - أنه على حكم الوجوب، وهو ما رجحه العلّامة ابن عاشور
(6)
(1) الكشاف: 233/ 1
(2) في حاشيته على الكشاف المسماة بـ: الانتصاف، 233/ 1.
(3) الأشباه: 110/ 1. (4) الإبهاج: 177/ 3.
(5) تفسير القرطبي: 247/ 3. وانظر: أحكام القرآن للجصاص: 482/ 1. أحكام القرآن لابن العربي: 328/ 1.
(6) التحرير والتنوير: 100/ 3