النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٥٧

معالم نظرية الاحتياط الفقهي

د. إلياس بلكا

457

(1)

4 ـ قال الشاطبي: «الشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم والتحرز مما عسى أن يكون طريقاً إلى مفسدة). وقال أيضاً مستدلا للذين يرجحون جانب العارض - في مسألة الإباحة -: «الاحتياط للدين ثابت من الشريعة، مخصص لعموم الإباحة إذا ثبت» (2).

عوارض

5 - قال الجويني: «إذا تعارض ظاهران أو نصان وأحدهما أقرب إلى الاحتياط، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الأحوط مرجح على الثاني .. واحتجوا بأن قالوا: اللائق بحكمة الشريعة ومحاسنها: الاحتياط» (3).

ومما لا حظته أن الأصوليين لم يعتنوا بتقرير الاحتياط وتبيين وجه حجيته، وذلك ـ والله تعالى أعلم - اكتفاء بظهور معناه؛ ولأن العمل به في الفرعيات أمر واضح معلوم؛ لهذا أكثر ما يذكر الاحتياط في الفقه، خصوصاً في مقام الاستدلال للمذهب المنصور. وهذا ما يفسر ندرة النصوص المؤصلة للاحتياط وللاحتجاج به في كتب الأصول. لكن هذا لا يمنع من التعرف بالتفصيل على آراء أهم المدارس الفقهية أو بعضها.

الظاهرية رأي ابن حزم في الاحتياط:

يعرف عن ابن حزم إنكار الرأي جملة؛ بما فيه القياس والاستحسان والاستصلاح وسد الذرائع وسائر أنواع الاستدلال وأصل إنكاره هذا رده للقول بتعليل الأحكام كما ذهب إليه بعض الفقهاء. لهذا قد ينتظر من له مثل هذه الفكرة عن ابن حزم أن يكون مذهبه رد الاحتياط جملة، خصوصاً أنه عقد في كتاب الإحكام باباً خاصاً لرد ما سماه «الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه» (4). وفي هذا التوقع جانب من الصواب، وجانب من مجانبة الصواب. وفهم هذا يقتضي التمييز بين أمرين - يتعلقان بالاحتياط - ثم معرفة رأي ابن حزم في كل واحد منهما:

الأمر الأول: الاحتياط من حيث المبدأ:

يتضح مذهب ابن حزم في هذه القضية من خلال عرض أقسام الاحتياط، ثم البحث عن موقفه من كل قسم. وهذه الأقسام ثلاثة - كما تقدم -: الاحتياط للحكم، والاحتياط لمناط الحكم، والاحتياط لمآل الحكم.

أ - يرى ابن حزم أن الاحتياط للحكم مشروع وصحيح من حيث المبدأ، يقول في حديث الحلال بين والحرام بيّن: … لكنه (أي النبي صلى الله عليه وسلم) حض على تركه أي المشتبه)، وخاف على مواقعته أن

(1) الموافقات: 276/ 2.

(2) الموافقات: 135/ 1.

(3) البرهان 779/ 2

(4) الإحكام في أصول الأحكام: 2/ 6 - 15.