النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٦١معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
461
لذلك قال السالمي في مسألة تعارض دليلي التخفيف والتشديد قد يكون الترجيح بـ «تقديم الدال على التخفيف على الدليل المقتضي للتشديد لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: 78]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». وقد يرجح المقتضي للحكم الأثقل على المقتضي للحكم الأخف؛ لأنَّ الشريعة إنما شرعت لمصالح العباد تفضلاً، والمصلحة في الأشق لقوله: «ثوابك على قدر نصبك». ولأن زيادة ثقله تدل على أن المقصود منه أكثر من مقصود الأخف، فالمحافظة عليه أولى. ولأن الظاهر تأخر الأثقل عن الأخف، لتأخر التشديدات» (1).
كذلك عمل فقهاء الإباضية بدليل الذرائع فتحاً وسداً، ووضعوا قاعدة: «للوسائل حكم ما يتوسل
إليه». وقاعدة: «الوسائل لها حكم المقاصد». وقالوا أيضاً من وقف موقف التهمة اتهم» (2).
النتيجة:
أستطيع القول: أجمع العلماء من مختلف المدارس والمذاهب على القول بالاحتياط، وعلى اعتباره من حيث المبدأ، لكنهم يختلفون في بعض أحكامه وفي كيفية تطبيقه ومجالات هذا التطبيق، وهذا راجع إلى اختلاف مسالك الاجتهاد ومناهجه.
فإذا ضم هذا إلى ما تقدم من أدلة الاحتياط من القرآن والسُّنَّة، وإلى ما ذكرته من نصوص لبعض العلماء في موضوع الحجية أمكن أن نقول: إن الاحتياط أصل مقطوع به، ثابت من الشريعة، قد أجمع العلماء على مشروعيته.
المبحث السادس: الاحتياط والاستصحاب والشك
إن حالة الاشتباه - التي يشرع بسببها الاحتياط - هي حالة شك وريبة لا حالة علم ومعرفة، ولذا جاء في الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، إذ في الاشتباه تجاذب أصلين لفرع واحد، أحدهما يقتضي الحلية والآخر يقتضي الحرمة، أو في أحدهما إيجاب شيء وفي الآخر إسقاط له … فلا يتميز الأمر ويظل محتملاً، فيتمكن الشك من المكلف.
وبسبب هذا الارتباط بين الاحتياط والشك ذكر بعض الفقهاء: أن الاحتياط هو فعل ما لا شك
(2)
طلعة الشمس: 302/ 2 - 302 وحديث ثوابك متفق عليه عن عائشة. معجم القواعد الفقهية الإباضية: 1174/ 2، 1415، 1463.