النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٦٥

معالم نظرية الاحتياط الفقهي

د. إلياس بلكا

465

الاحتياط، بينما إذا أداه اجتهاده إلى الحكم بالإباحة وعدم التكليف تراه يرجح رأيه باستصحاب قاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة».

فالدليل المناقض للاحتياط هو البراءة الأصلية، لكن ما هو الأصل - والأقوى - منهما؟

يخيَّل إلي أن في الأمر تفصيلاً واسعاً، فهناك أبواب وفروع فقهية الحكم فيها يكون للاحتياط - كما سيتبين آخر البحث، فيكون اعتباره أولى من اعتبار أصالة الإباحة. وهناك أبواب ومسائل أخرى يكون الأولى فيها ترجيح جانب الإباحة ـ أو البراءة ولهذا تارة يأخذ الفقهاء بالاحتياط وتارة يأخذون بأصالة البراءة.

6 -

«أصل»

وليس في هذا قانون مطرد - بحسب ما يبدو لي. بل هو اجتهاد محض من الفقهاء، ولذا يختلفون في تطبيق الاحتياط على الفروع الجزئية رغم اتفاقهم على مشروعيته في الجملة؛ كما يختلفون في التفريع على أصل الإباحة رغم توافقهم في تصحيحه. لكن يمكن أن أقول بصفة عامة جداً: إن أصل الإباحة - أو البراءة ـ أقوى قليلاً من الاحتياط، وأوسع منه في استيعاب الفروع، وأعم. وذلك لأن أصل الإباحة مطرد في عامة الفقه بحيث ما من باب فقهي إلا ويتصور فيه الاستدلال بهذا الأصل، بينما لا يطرد الاحتياط مثل هذا الاطراد، حتى إنك لا تجد له أثراً ملحوظاً في أبواب فقهية كاملة كالإرث مثلاً. ثم إن أصل الإباحة لا يحتاج إلى دليل، بل قولنا: «الأصل في الأشياء الإباحة» هو نفسه، دليل، فيكفي في دفع الخصم والاحتجاج عليه الاستدلال بهذه القاعدة، ولذا قال كثير من الأصوليين: ليس على نافي الحكم دليل. أما الاحتياط فهو أيضاً حجة لوحده في كثير من الأحيان، لكن قد يحتاج العمل به إلى دليل في مسائل كثيرة، كما في الفروع التي تحتمل الوسوسة أو التنطع؛ فلا بد فيها من بيان أن الاحتياط فيها مشروع وله مستند مقبول.

لهذا كان أصل الإباحة أعم من أصل الاحتياط؛ وأستأنس في هذا التقدير بنص للشاطبي حيث قال: الاحتياط للدين ثابت من الشريعة مخصص لعموم أصل الإباحة إذا ثبت»، فقد جعل الشاطبي الاحتياط مخصصاً لدليل الإباحة، وهذا معناه: أن الإباحة أصل أعم من الاحتياط، ويلزم أن يثبت الاحتياط لكي يخصص عموم أصل الإباحة، والله سبحانه أحكم وأعلم.

قاعدة اليقين لا يزول بالشك:

يجوز لنا أن نعتبر أن قاعدة اليقين لا يزول بالشك أهم القواعد الشرعية والفقهية التي عرفها الفقه الإسلامي، أجمع على اعتبارها العلماء من مختلف المذاهـ ب، فالفقه الإباضي عرف

(1) الموافقات: 135/ 1.