النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٦٩معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
469
يصح؛ لأنَّ الواجبات لا تثبت احتياطاً بالشك، ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها وشك في الحدث ولا غيرها من الواجبات).
2 - وإذا كان الاحتياط لا يجب بالشك، فإنه يكون مشروعاً به، على وجه الاستحباب والندب. قال ابن تيمية: «ما من شيء في الشريعة يمكن وجوبه إلا والاحتياط مشروع في أدائه». وقال في موضع آخر: « .. وكذلك من الورع الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه» (3).
ومشروعية الاحتياط هنا تكون في الأمر الذي يحتمل الوجوب، كما تكون في الأمر الذي يحتمل التحريم، فيكون الاحتياط الأول بالفعل، والثاني بالترك؛ يقول ابن تيمية: وكذلك الورع المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته وهو ما يعلم تحريمه، وما يشك في تحريمه؛ وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله» (4).
وقد جعل المقري من هذا المعنى قاعدة مستقلة في الموضوع، قال: كل ما يشك في وجوده من الجائز فإنه يؤمر به ولا يعزم؛ كغسل قليل الدم يراه في غير الصلاة وكل ما يشك في تحريمه، فإنه ينهى عنه ولا يعزم؛ كخنزير الماء. ووسيلة الشيء مثله» (5).
المبحث السادس: حكم الاحتياط ومسقطاته
يمكن أن نقسم الاحتياط إلى قسمين احتياط معتبر أي مشروع واحتياط غير معتبر أي غير جائز، ولنسمه بالاحتياط الملغى. ويظهر بالاستقراء أن الاحتياط المشروع ليس على درجة واحدة من الطلب والاعتبار، بل فيه ما هو واجب لا زم، وفيه ما هو مستحب غير لا زم. ثم بالاستقراء أيضاً يظهر أن الاحتياط المستحب مراتب ودرجات بعضها أشد استحباباً من بعض، فمنه احتياط ومنه احتياط فضيلة. هذا على العموم، وهذا التفصيل:
ندب
وهو مؤكد
6 -
أولاً: الاحتياط المعتبر
يمكن أن أزعم أن أكثر العلماء يرون أن من الاحتياط ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مندوباً،
(1) المغني: 460/ 2 - 461.
(2) الفتاوى: 110/ 25.
(3) الفتاوى: 512/ 10 وانظر: المغني: 838/ 1، 559/ 2 - 560.
(4) الفتاوى: 511/ 10 - 512.
(5) القواعد: 486/ 2.