النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

48

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

المقاصد

ومثالاً على ذلك قضيّتا مصالح الدين ومصالح البدن، فإنَّه من الممكن اعتبار إطارين هنا، إطار يتم فيه تعيين المقصد النهائي، وفي مثل هذا الإطار تبرز مصالح الدين كمصلحة أهم، ومقصد نهائي، وإطار يتم فيه تعيين روح الشريعة، وفي مثل هذا الإطار تبرز أولوية مصالح البدن كروح للشريعة حملتها جملة من أحكام الشرع، وعليه فلا مانع من اجتماع الأولويتين: أولوية مصالح الدين، وأولوية مصالح البدن، حيث إن بين الأولويتين اختلافاً في المصب، فمصب أولوية الدين هو الجانب المقصدي، بمعنى أن المصالح الدينية تبلغ أهميتها وأصالتها حداً تشكل هي النهائية للشريعة، ومصبّ أولوية البدن الجانب المساري والحراكي للشريعة، بمعنى أنه الشريعة على قائمة كينونة الأولوية في جانب رعاية هذه المصالح، حتّى تنتظم الحياة البشرية التي أرادت الشريعة أن تسير وتتحرك هذه الحياة نحو المقاصد الأصلية، وفي هذا الإطار برزت قاعدة تقديم جانب رعاية الأبدان على جانب الأديان». ومن الطريف أن احد الفقهاء قد طرحها في إطار توجهه إلى اعتناء الشارع عبر عملية تحليل التكاليف الواردة في الشرع، يقول:

بنيت

لا يخفى على من نظر في التكاليف الشرعية بعين التحقيق وتأمل فيها بالفكر الصائب الدقيق أنه يعلم منها علماً جاز ما لا يخالجه الريب ولا يتطرق إليه العيب أن اعتناء الشارع بالأبدان ورعايته لها مقدمة على رعاية الأديان).

أهمية وضرورة فقه روح الشريعة: إن لفقه روح الشريعة أهمية بالغة في الفقه، وهذه الأهمية تتمثل في دورين له، أولاً: إن الروح التي تجري في مجموعة من الأحكام هي التي تحمل على عاتقها مهمة التنسيق بينها وإعطاء الاتجاه الصحيح إليها - كما أشرنا إلى ذلك من قبل -، وثانياً: أن معرفة روح الشريعة تصحح تفسيرنا وتلقينا من النصوص، أي أننا لما فهمنا على أساس فقه روح الشريعة، أن الشارع بصدد أن يجعل جملة من أحكامه خاصة، لا في مسار خاص ومع روح النصوص المرتبطة بها بصورة عشوائية، بل بما يتلاءم مع ذلك.

نفهم

الوضع الفعلي لفقه روح الشريعة على الرغم من ضرورة وأهمية فقه روح الشريعة، فلا بد علينا من أن نذعن أنه لو كانت مشكلة فقه المقاصد، تتمثل في أن دراسته والاستفادة منه لم تتمّا ولا تتمان في إطار دقيق وكامل، ولم تجريا ولا تجريان في منحى مؤثر على الفقه، فإنَّ مشكلة فقه روح الشريعة هي أعظم وأوسع من ذلك؛ حيث إن هذا الفن الفقهي المهم الذي له دور في عملية التنظير، لا يزال في مرحلة ما قبل الإنشاء.

وعندما نقول إنه في مرحلة ما قبل التولد لا نريد بذلك نفي حصول أي نظر أو أدبيات فقهية حوله في التجربة الفقهية الرائجة، بل نريد القول: إن ما تشكّل حوله لم يبرز في إطار فن فقهي

(1) الحدائق الناضرة، 4: 281

(2)

(2) مثلما قال النووي: من أن روح الشرع تقضي بمراعاة صالح الصغير». المجموع، 18: 324.