النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٧٤474
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
فالغلو في الاحتياط بإطلاق سلوك مذموم، سواء كان عملاً ذاتياً للمرء أم كان في الفتوى والحكم. وفي الإفتاء ـ خصوصاً - يلزم الاحتياط من المبالغة في الاحتياط، فينبغي الاقتداء بالشارع الذي كان حريصاً على عدم تضخم دائرة التكليف في حياة الأمة المسلمة وأفرادها؛ يقول الشاطبي: «الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال»، وقال أيضاً: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط في ما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال» (2).
المبحث السابع: الاحتياط بين الاحتجاج والترجيح
الاحتياط دليل إما مستقل وإما مرجح
الاستدلال
في الفروع الأولى يكون الاحتياط هو الدليل. وفي الفروع الأخرى يكون الدليل مركباً من الاحتياط ومن غير الاحتياط - كالنص أو الاستدلال، وهنا قد يكون الاعتماد في والاستنباط على الاحتياط، فيكون هو الدليل الرئيس، ويجري استعماله مجري الأدلة التي تنشئ أحكاماً، لا مجرى المرجحات التي ترجح بعض الأقوال على بعض. وفي هذه الحالة يكون الدليل الآخر الذي يورده الفقيه مجرد تقوية لمذهبه وتدعيم له، أما اعتماده الأهم فيكون على الاحتياط. وقد يكون الاحتياط دليلاً ثانوياً، وإنما عمدة الفقيه النص أو القياس .. وفي هذه الحالة يكون دور الاحتياط هو الترجيح بين الأدلة المتعارضة.
وأرى أن أسمى الاحتياط في الحالة الأولى حين يكون هو وحده الدليل بـ: الاحتياط المستقل. ويلحق به الاحتياط الذي يكون أحد الأدلة في المسألة لا دليلها الوحيد، لكنه يكون هو الدليل المعتمد منها والذي عليه التعويل في الاستنباط والاحتجاج.
وأسمى الاحتياط إذا كان دوره هو الترجيح بين مقتضيات الأدلة بـ: الاحتياط المرجح. فالاحتياط - إذاً - نوعان: احتياط مستقل، واحتياط مرجح.
ومن
أمثلة الاحتياط المستقل استدلال المرغيناني الحنفي لمذهبهم في اعتبار الركبة من
(1) الموافقات: 124/ 1.
(2) الموافقات: 188/ 4 - 189.