النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٧٩معالم نظرية الاحتياط الفقهي
د. إلياس بلكا
479
المطلب السادس: في القصاص والحدود، أو أبواب الجنايات
هذا باب فقهي كبير جداً تندرج تحته أبواب كثيرة والثابت عند عامة الفقهاء أن الحدود باب ينبني على الاحتياط، فمهما وجد شك يتعلق بالجناية لزم أن يفسره القاضي لصالح المتهم، أي: لصالح الجاني المفترض، فلا يطبق عليه الحد إلا إذا تيقنا أنه الفاعل للجريمة، وأن قصده إليه واضح ومؤكد، وأن البينة التي قامت على هذا ثابتة .. بمعنى ينبغي توافر أدلة مكافئة لخطورة هذا الباب، أعني باب الحدود). يقول السالمي: لأن الخطأ في ترك الحد أهون الخطأ فعله (2).
من
في
وقد استنبط الفقهاء من السنة قاعدة فقهية هي: الحدود تدراً بالشبهات» (3). أو «الحدود تسقط بالشبهات» (4). ثم قسموا الشبهة إلى أقسام مختلفة، إلا أنهم اختلفوا في درجة الشبهة المؤثرة في إسقاط الحد، فشرط الجمهور أن يكون لهذه الشبهة بعض القوة، في حين قال الحنفية
بأن الحد يسقط بالشبهة الضعيفة.
المطلب السابع: في التوثيق
لا يعتبر التوثيق علماً مستقلاً، إذ ترجع معظم مسائله إلى الفقه قال التسولي: «ليس للتوثيق أركان وشروط خارجة عن الفقه الذي ذكروه .. (ف) مدار الوثائق كلها على الفقه» (5). ولا ترجع مسائل «التوثيق إلى باب فقهي واحد، بل إلى أبواب متعددة لعلها معظم فقه المعاملات، ولا تعلّق له بمسائل العبادات، بل هو قاصر على ما يدخله مجال القضاء.
_
والأصل في التوثيق قول الله - جل وعلا -: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ … ) إلى قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يضار كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]، وهذه هي المعروفة بآية المداينة.
والأمر بالإشهاد والكَتْبِ إرشاد إلى سلوك طريق الاحتياط لقطع المنازعات والخصومات، وضبط الحقوق وتأكيدها؛ ولهذا استحب الجمهور توثيق العقود من الأنكحة والطلاق والبيوع والإجارات والتبرعات والمواريث.
(1) راجع «الضابط الرابع لضوابط العمل بالتقريب والتغليب في نظرية التقريب، ص 276 فما بعدها.
(2) طلعة الشمس: 301/ 2 (3) الأشباه لابن نجيم: 142.
(4) الأشباه للسيوطي: 84. (5) البهجة 24/ 1.