النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٩١

مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية

عبد الله

بن

أحمد بن سعيد السليمي

|

491

أما في الاصطلاح: فشأن الاحتياط شأن معظم المصطلحات التي لا يعدو مفهومها أن يكون تقييداً وتخصيصاً لإطلاقها وعمومها اللغوي، ولم يهتم أكثر فقهاء الإباضية بذكر تعريف خاص للاحتياط، وإنما يذكرونه في معرض المناقشة والاستدلال وبيان الحكم الشرعي، وغاية ما وجدته عنهم ما ذكره صاحب الإيضاح في باب الاحتياط في الوصايا حيث قال: والاحتياط كل ما لم يتيقن به الرجل أنه كان عليه وخاف على نفسه أن تكون عليه التباعة فيوصي به»)، وما ذكره قطب الأئمة في شرح النيل: «هُوَ إِمَّا فِعْلُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْهُ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا فِعْلُ مَا تَرَبَّحَ أَنَّهُ فَعَلَهُ أَوْ فَعَلَ بَعْضَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ خَوْفٌ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ خَوْفٌ أَنَّهُ فَعَلَ عَلَى وَجْهِ لَا يُجْزِئُ، فُرِضَ أَوْ لَمْ يُفْرَضٌ وَإِمَّا فِعْلُ شَيْءٍ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ مَا لَزِمَهُ أَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَدْ فَعَلَهُ»، وهو وإن كان شاملاً لجميع أو أكثر صور الاحتياط إلا أنه تعريف طويل محتاج إلى اختصار، ولعل القطب لم يقصد تعريف الاحتياط، وإنما أراد تبيينه بذكره صوره وأنواعه ليسهل فهمه وتصوره.

وسأكتفي هنا بمناقشة ما توصل إليه الدكتور سماعي بعد مناقشته لتعريفات بعض أهل العلم للاحتياط التي لم تخل من النقد عنده، حيث عرفه بأنه وظيفة شرعية تحول دون مخالفة أمر الشارع عند العجز عن معرفة حكمه» (3)، وهو تعريف حسن إلا أنه تقييد الاحتياط بكونه عند العجز عن معرفة حكم الشارع فيه نظر، فكثيراً ما نجد الفقهاء يقولون: الراجح كذا، والاحتياط كذا، أو يحكمون على بعض الأمور بالحرمة ليس لذاتها، وإنما لما قد تؤول إليه من محاذير شرعية، فالأصل في تلك الأمور الجواز لولا ما تؤدي إليه من محذور، فإذاً يكون المجتهد فيها عاجزاً عن معرفة الحكم، ولكنه خشي مخالفة أمر الشارع أو

هناك

لا صور

حدوث ما يخالف أمر الشارع.

ثم إن وصف الوظيفة بأنها تحول دون مخالفة أمر الشارع لا يخلو من نظر كذلك، إذ حيلولتها عن مخالفة أمر الشارع أمر مظنون، لذا أفضل أن يقيد التعريف اللغوي فيقال في تعريف الاحتياط: بأنه الأخذ بالأحزم في أمور الدين حرصاً في امتثال أمر الشارع، فيدخل تحت هذا التعريف كل تصرف يقوم به المرء حفظاً وصيانة لدينه خشية مخالفة أمر الشارع، سواء كان هذا التصرف اجتهاداً أو استنباطاً من فقيه، أم كان تطبيقاً عملياً من مكلف، وإنما قلت: حرصاً في امتثال أمر الشارع؛ لبيان البعد النفسي أو الشعور الداخلي للمكلف في حقيقة الاحتياط، فلا الأخذ يسمى بالأحزم احتياطاً إن لم يكن نابعاً عن خشية أو حرص حرص في امتثال أمر الشارع، كمن لا يعلم في تلك المسألة إلا القول الأحزم فأخذ به، أو كان يرجو من أخذه بالأحزم مصلحة تعود إليه.

(1) الشماخي، عامر بن علي، كتاب الإيضاح، ج 4، ص 517، ط 4، 1420 هـ/1999 م. (2) أطفيش، محمد بن يوسف، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، ج 12، ص 425 مكتبة الإرشاد، جدة، ط 3، 1405 هـ/1985 م. محمد عمر سماعي، نظرية الاحتياط الفقهي، ص 19 لدى الباحث نسخة pdf.

(3)