النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٤٩٢

492

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

هذا، وهناك مجموعة من اصطلاحات الفقهاء ذات صلة بالاحتياط كالتوقف والتحرّز والتحرّي

والورع وسد الذرائع لا أرى داعياً لبحثها الآن إذ هي لا تعدو أن تكون أخص من الاحتياط أو أعم منه أو مرادفة له.

المبحث الثاني: مشروعية الاحتياط

لا خلاف بين العلماء أن الاحتياط مطلوب شرعاً، فالخشية الباعثة له صفة من صفات المتقين: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءَ وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّن السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 48 - 49]، لذا كان ثوابها جزيلاً وأجرها عظيماً: {إِنَّ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُكَي [الملك: 12]، وقد أمرنا المولى و أن نتقيه حق تقاته ما استطعنا ذلك فقال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [التغابن: 16]، ولا شك أن كل ما يؤدي إلى تحقيق هذه التقوى مأمور به من حيث الجملة.

الكبير

الله

تعالى،

أن مشروعية الاحتياط مستفادة من عموم الآيات الداعية إلى التقوى والخشية من ومع إلا أن هناك جملة من الأدلة قد تكون أظهر في الاستدلال على مشروعيته والعمل به، ومن ذلك: قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)

[الحجرات: 12]. فنهانا المولى ل عن كثير من الظن خشية الوقوع في الظن المحرّم. يقول القطب في تفسير الآية: دعاء إلى الاحتياط وتحضيض عليه، وإذا اتسع المباح وخيف فيه قليل محرم اجتنب كله؛ لئلا يوقع في ذلك القليل»).

قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَا فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، فأمرنا بالتبين والتحري من خبر الفاسق قبل أن نبني عليه أحكاماً فتندم على ما أقدمنا عليه.

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُرُّوا اللَّهَ عَدُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 108]، حيث إن المولى ل نهانا أن نسب آلهة المشركين ـ مع ما في ذلك من إهانة وإذلال للشرك وأهله ـ لئلا يسب المشركون الله تعالت عظمته، قال القطب في تيسيره: نهوا عن سَبّها حيث يُسَب الله سبحانه، فحين

(1) أطفيش؛

محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج 12، ص 385 وزارة التراث القومي والثقافة د. ط، 1408 هـ/1987 م.