النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٣مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
493
لا يسبّونه لسَبِّها سُبَّت، كما يسبها المسلمون في ما بينهم وبحضرة من لا يسبه، وسبها طاعة لكن إن أدى إلى معصية راجحة لا يمكن دفعها نهوا عنه، وذلك قاعدة كلية لهذه الآية» (1). أمره بكتابة الدين وتوثيقه ولو كان صغيراً دليل واضح على أهمية الاحتياط لحفظ المال الذي جعله الله لنا قياماً فكان مقصداً من مقاصد الشريعة الخمس التي جاء الإسلام لحفظها، والكتابة كذلك تحفظ الناس من الوقوع في الخلاف والخصومة، يقول الله تعالى: أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282].
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم أن يأكل مما أكل منه كلب الصيد أو مما وجد معه كلب آخر غير كلبه، دليل واضح على الاحتياط، بل جاء في بعض ألفاظه إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» (3)، فعلل النهي بخوفه أن يكون الكلب اصطاد ذلك الصيد لنفسه، لذلك أمرنا بالاحتياط.
تأكل، فإني
أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجه سودة أن تحتجب من أخيها الذي حكم به لأبيها حين اختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة (4)، حيث حمل كثير من أهل العلم ذلك على سبيل الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون أجنبياً عنها لشبهه الكبير بعتبة بن سعد بن أبي وقاص.
عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، ففي هذا الحديث دعوة صريحة إلى اتقاء الشبهات صوناً للدين والعرض حتى إنه جعل الواقع فيها واقعاً في الحرام مبالغة في التنفير والتحذير منها، وما ذلك إلا لأنَّها سائقة إليه موقعة فيه.
(1) أطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج 3، ص 416 417 وزارة التراث والثقافة، سلطنة عُمان، د ط، 1405 هـ/1985 م. (2) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبهات، ص 272، ح رقم 2054 مكتبة الرشد ناشرون، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط 2، 1427 هـ/2007 م.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان باب الصيد بالكلاب المعلمة، ص 1539، ح رقم 1929، صحيح مسلم، دار الحديث، ط 1، 1412 هـ/1991 م.
(4) أخرجه الربيع بن حبيب، الترتيب، كتاب الأحكام، باب في الرجم والحدود، ص 274، ح رقم 616، ط 1، 1424 هـ/2003 م، مكتبة مسقط، سلطنة عُمان.
(5) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، ص 272، ح رقم 2051.