النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٤494
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
هذا، وقد عمل الصحابة ومَنْ بعدهم بمبدأ الاحتياط فاحتاطوا في عباداتهم ومعاملاتهم وفتاواهم وقبولهم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان العمل بهذا المبدأ مجمعاً عليه من حيث الجملة.
المبحث الثالث: مظاهر الاحتياط في الفقه الإباضي
إن الناظر في الآثار الإباضية لا يخالجه شك أن العمل بالاحتياط مبدأ أصيل من مبادئهم، وركيزة عظيمة من ركائزهم، ظهرت آثارها واضحة جلية على تأصيلاتهم وقواعدهم وتفريعاتهم وفتاواهم، وما ذلك إلا لشدة خشيتهم وخوفهم من الله الذي كان ثمرة من ثمار عقيدتهم المنبثقة من القرآن والسُّنَّة الصحيحة خاصة في ما يتعلق بمسألة الوعد والوعيد وحكم مرتكب الكبيرة، إلا أنهم مع ذلك لم يضيقوا على الناس أو يوقعوهم في الحرج، بل إنهم مع دعوتهم إلى الاحتياط والورع يبينون للناس ما يسعهم في أمر دينهم، وينبهون أن ليس الفقيه من حمل الناس على ورعه، وإنما من أفتاهم بما يسعهم في دينهم، وقد ظهر احتياطهم في أبواب العبادات والنكاح والمعاملات.
فمن مظاهر احتياطهم في العبادات قولهم بوجوب الاستنجاء بالماء مطلقاً؛ فلا يصح عندهم الاكتفاء بالاستجمار، ولو لم يجاوز الخارج مخرجه، سعياً منهم إلى إبراء ذمَّة المكلَّف مِن عُهْدة الأمر بالتَّطهر للصَّلاة، وخوفهم من المساس بهذا الرُّكن الأعظم من أركان الإسلام، وأخذهم بالاحتياط في أمر العبادات (2).
))
وكذلك تركهم الأخذ برخصة المسح على الخفين حرصاً منهم في تطبيق النص القرآني، واحتياطاً من أن تبقى ذمتهم مشغولة إذا أخذوا بأحاديث المسح، وفي ذلك يقول أبو الحسن البسياني: وسأل عمَّن قال بالمسح على الخفَّين، وأنّ ذلك رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قيل له: كل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق، وما رخَّص فيه فجائز، غير أنَّ الذين قالوا برخصة المسح على الخفَّين فمختلفون؛ منهم من قال: كان قبل نزول الآية التي في المائدة، وفَرضِ الوضوء بالماء. ومنهم من قال: كان بعدها. ومن توضأ بالماء ولم يأت بغيره فقد أدَّى ما افترض الله عليه، وإن لم يعمل بتلك الرخصة فلا إثم عليه، وكان أحوط له، ووافق القرآن في الوضوء. فنحن على الاحتياط في الوضوء وخروج من الاختلاف حَتَّى يتفقوا في ما بينهم، والحمد لله ربِّ الْعَالَمِينَ على كل حال» (3).
(1) الخليلي؛ أحمد بن حمد، الإيلاء، ص 287، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، سلطنة عُمان، ط 2، 1428 هـ/2007 م. (2) الغاربي؛ محمد بن راشد مقالتا الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وأثرهما في الفقه الإباضي، رسالة دكتوراه مرقونة لدى الباحث نسخة منها، ص 438.
(3) البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد، جامع أبي الحسن البسيوي، تحقيق: الحاج سليمان بن إبراهيم وداود بن عمر بابزيز، ج 2، ص 936.