النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٥مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
495
سلمة
وكذلك أخذهم بحديث أبي هريرة في «من أصبح جنباً»، وتركهم الأخذ بحديث عائشة وأم وذلك؛ لأنَّ حديث أبي هريرة شاغل للذمة وحديثهما على البراءة الأصلية، وما كان
شاغلاً للذمة أولى بالأخذ؛ لأنه أحوط.
ومن مظاهر احتياطهم في باب الأحوال الشخصية: تشديدهم الكبير في أمر الفروج تعظيماً لأمرها وحفظاً وصوناً للعلاقة المقدسة التي تكون بين الزوجين، فلم يرضوا أن تنشأ تلك الرابطة على قاعدة هشة، أو بناء متهالك يتحطم لأدنى هزة، ويتطاير لأخف ريح، فلا ثقة تلحم صدوعه ولا اطمئنان يرمم شقوقه؛ لذلك قالوا بحرمة زواج الرجل بمن زنى بها، بل إن كثيرا منهم قال بحرمة زواج الرجل بامرأة لمس فرجها أو نظر إليه، ويروي العلامة محبوب بن الرحيل في ذلك أثراً عن أبي عبيدة حيث قال: حدثني المليح بن حسان أنه دخل مع جماعة معه إلى أبي عبيدة وفيهم الفضل بن جندب، فقال المليح فسألنا أبا عبيدة عن رجل دخل على امرأة نائمة فوضع يده على فرجها من تحت الثياب، فانتبهت المرأة فغضبت وشتمت وزنّت وخطت وأنكرت إنكار الحرة، هل له أن يتزوجها؟ فقال أبو عبيدة: لا يتزوجها. قال المليح: فسكتنا ولم يسأله أحد شيئاً من أين؟ قال: ثم استأذن صالح الدهان أبو نوح فدخل على أبي عبيدة؛ قال: فغمز بعضنا بعضاً أيكم يسأل أبا نوح عن هذه المسألة؟ فقال الفضل بن جندب أنا أسأله عنها، فسأله فقال أبو نوح: يتزوجها ويهب لها ماله إن شاء. قال أبو عبيدة: لا يتزوجها قال أبو نوح: بلى يتزوجها، - مرتين أو ثلاثاً، القول .. ثم قال أبو نوح: يا أبا عبيدة هل كنت تعرف حيان الأعرج؟ قال: نعم، أبا نوح، [قال أبو نوح]: فإن حيان أخبرني عن جابر أنه قال: يتزوجها ويهب لها ماله إن شاء. قال أبو عبيدة: يا أبا نوح، إنها الفروج. فقال أبو نوح: يا معشر الشباب، ألم أنهكم أن تسألوني عن شيء وأبو عبيدة شاهد؟ صدق أبو عبيدة هي الفروج
(1)
يردد
سد
وكذلك قولهم بحرمة الموطوءة في الحيض أو في الدبر على زوجها؛ احتياطاً منهم في ذرائع الفساد، وإغلاق باب المعاصي على الناس؛ مستندين في اجتهادهم إلى ما جاء من منع القاتل أن يرث المقتول، وكون النهي يدل على فساد المنهي عنه، وفي ذلك يقول الإمام السالمي:
وإنما فرق من قد فرقا لجعله باب المعاصي مغلقا رأوا بأن فتح هذا الباب بين الورى يفضي إلى العطاب لأن غالب الورى يخشونا فراقها والرب لا يخشونا فعاقبوه بفسادها لكي ينسد باب الفحش عن ذاك الفتى واستنبطوا حجته أن جعلوا ذلك مثل إرث من قد يقتل
شقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين ج 7، ص 439 مكتبة مسقط، سلطنة عُمان، ط 1، 1427 هـ/2006 م.