النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٧مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن أحمد بن سعيد السليمي
497
من
من الأحيان من الإقدام على ما يجهله من أمور، أو أنه يدعوه إلى فعل أمور يظنّها مطلوبة شرعاً بسبب جهله بالحكم، ومن أمثلة ذلك: ما وقع من بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رقوا سيد حي أحياء العرب فجعلوا لهم جعلاً، فإنهم لم يأخذوا حتى سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن حكم ذلك، خوفاً من وقوعهم في المحرم، كما جاء في بعض الروايات أن علي بن أبي طالب كان يغتسل من المذي ذلك عليه، فلما شق عليه الأمر طلب من المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم الاغتسال من المذي، فعلم بعدها ألا غسل عليه من المذي.
ظاناً
وجوب
(1)
مباح
وفي هذا المقام يذكر كثير من الإباضية: أنه لا يجوز للمرء أن يقدم على أمر لا يعلم أنه له، فإن أقدم عليه وكان محرماً فعليه التوبة وإن أقدم عليه وكان مباحاً فقيل: عليه التوبة لإقدامه عليه قبل علمه بالحكم. وقيل: لا إثم عليه لموافقته الحق إلا إن كان قاصداً فعل المحرم؛ فهو آثم لقصده السيئ وإن وافق الحق. يقول الإمام السالمي:
وهو
وحرم ارتكاب ما لم يعلم ومن يكن موافقاً لم
يأثم
وإن يكن في قصده خلاف ما قد أوجب الباري عليه إثماً
(3)
هذا، وإن كان الاحتياط عند الجهل بالحكم مطلوباً شرعاً إلا أن ظهور مثل هذا النوع من
الاحتياط مؤشر لظاهرة سلبية، فهو يعني قلة العلماء وضعف الحركة العلمية في المجتمع المسلم، أمر يهدد بانفلات الأمر، إذ الامتناع عن كل ما نجهل حكمه سيؤدي بنا إلى حرج وضيق لا نستطيع معه مواكبة التطور والتقدم العالمي، فلو امتنعنا عن كل منتجات العصر الحديث بسبب جهلنا بحكمها؛ لأدى بنا الأمر إلى التخلف والتراجع عن ركب الأمم، لذلك كان على العلماء أن يجتهدوا في استنباط الأحكام الشرعية لكل ما يستجد في هذه الحياة، والبحث عن البدائل الشرعية للمحرم والمشبوه منها قبل أن يطالبوا الناس بالاحتياط في تركها والابتعاد عنها.
السبب الثاني: الصعوبة في استنباط الحكم الشرعي:
من المعلوم أن الأدلة الشرعية تختلف في مدى ثبوتها ودلالاتها، فتارة تكون قطعية الدلالة والثبوت لا يختلف أحد في ما تدل عليه، وتارة تكون ظنية الدلالة أو ظنية الثبوت تختلف أنظار العلماء في الحكم المستنبط منها، وقد تتعارض الأدلة وتتباين فيصعب استنباط الحكم الشرعي منها، وتزيد تلك الصعوبة وتنقص بقدر قوة الأدلة وضعفها من حيث دلالتها وثبوتها، فبينما يكاد
66
105
(1) أخرجه البخاري، باب الرقى بفاتحة الكتاب، ج 5. (2) أخرجه الربيع الترتيب، كتاب الطهارة، باب ما يجب منه الوضوء، ص الله (3) السالمي، عبد بن حميد، مشارق أنوار العقول، ج 1، ص 262، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، ط 1،
ح رقم
1409 هـ/1989 م.