النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٨498
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
صور
أخرى خفياً غامضاً يحار فيه العقل
يكون الصواب واضحاً جلياً في بعض الصور يكون في ولا يجد إليه سبيلاً، وهنا يبرز الاحتياط وأثره في تعامل الفقهاء مع تلك الأدلة حيث يلجأ كثير منهم إلى التوقف عن إبداء الحكم أو إلى الأخذ بالأحزم إبراء لذمة المكلف، وقد يميل المجتهد إلى رأي إلا أنه يدعو إلى الأخذ بخلاف رأيه رغبة في الاحتياط للدين.
وتنشأ تلك الصعوبة من عدة أمور نذكرها مع أمثلة لها في الفقه الإباضي:
التعارض بين الأدلة: ومن أمثلة ذلك تعارض النصوص التي نهت عن الثوب الذي به تصاوير، فقد روى الربيع بن حبيب عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اِشْتَرَتْ عَائِشَةُ اللَى نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَأَىهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بِالْبَابِ وَلَمْ يَدْخُلْ، فَلَمَّا رَأَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» فَقَالَتْ: اِشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ بِهَا فِي النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْبُوا مَا خَلَقْتُمْ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ تَصَاوِيرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -.
(1) ،
وروي كذلك عن جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ اشْتَكَى أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ يَعُودُونَهُ، فَأَمَرَ رَجُلاً أَنْ يَنْزِعَ قَمِيصاً تَحْتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ نَزَعْتَهُ يَا أَبَا طَلْحَةَ؟ فَقَالَ؛ لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ: «إِلَّا مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ؟». فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي وَأَحْوَطُ مِنَ الإِثْم.
فدل الحديث الأول على المنع من التصاوير في الثوب مطلقاً، بينما أفاد الحديث الثاني الرخصة في ما كان رقماً أي نقشاً ووشياً، فاختلف العلماء فيها، واختار العلامة الشماخي العمل بحديث المنع؛ لأنه أحوط كما قال أبو طلحة (3).
غموض الأدلة وأقصد بالغموض هنا ما يعبر عنه الأصوليون بالإجمال حيث تكون النصوص غير واضحة وضوحاً نطمئن معه إلى معرفة الحكم الشرعي كأن يكون فيها لفظ مشترك أو تركيب محتمل لأكثر من معنى، أو ضمير يصلح عوده لأكثر من اسم، أو نحو ذلك مما يذكره الأصوليون في أنواع الإجمال، وقد يكون الغموض في علة الحكم لوجود أكثر من معنى يصلح أن يكون علة في الحكم، فيظهر الاحتياط في اجتهاد العلماء لبيان المراد من تلك الأدلة والنصوص بتتبع القرائن والدلائل، ومن أمثلة ما احتاط العلماء له لسبب غموض دلالته اختلافهم في حرف الباء في قوله
ص 130
(1) أخرجه الربيع، الترتيب كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك، ح رقم 277 (2) أخرجه الربيع، الترتيب، كتاب الصلاة ووجوبها، باب في الثياب والصلاة فيها وما يستحب من ذلك، ص 131، ح رقم 279.
(3) الشماخي، كتاب الإيضاح، ج 1، ص 419، ط 4، 1420 هـ/1999 م.