النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٤٩٩مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية
عبد الله
بن
أحمد بن سعيد السليمي
499
تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 16 أهو للإلصاق فيجب مسح جميع الرأس، أم للتبعيض فيجزئ مسح البعض منه، لذلك استحب علماؤنا مسح الجميع خروجاً من الخلاف، قال الإمام السالمي: «فإنّ معناه (يعني الباء) أشكل على الناس، فمنهم من أوجب الاستيعاب، وجعلوا الباء للإلصاق، فأوجبوا مسح الكل، ومنهم من جعلها للتبعيض، وأوجب مسح البعض فقط، ثم اختلفوا في ذلك البعض، فمنهم من لم يُقدِّره بقدر، وهم الشافعية ومنهم من قدره بربع الرأس، وهم الحنفية، والمستحب عندنا مسح الجميع خروجاً من الخلاف»).
ومن غموض العلة اختلافهم في العدة أهي تعليلية يقصد منها استبراء الرحم فتبدأ من يوم طلّق أو مات ولو لم تعلم المرأة بذلك، أم هي تعبدية فتبدأ من يوم علم المرأة بذلك؛ إذ يشترط فيها النية؟ وممن ذهب إلى أنها تعبدية أبو الحسن البسيوي وأيد رأيه بكونه أحوط حيث قال: «وإذا كان الزوج غائباً عن المرأة، ثُمَّ طلّق أو مات عنها؛ فإنَّ التربّص عليها في العدة من يوم صح لها ذلك وبلغها الخبر. وقال قوم: من يوم مات والأوّل أحوط؛ لأنَّ عليها التربّص في العدة بنص الكتاب، فلا بد من عدة تقصدها، وتربّص بنيَّة، والله أعلم بذلك وأحكم» (2).
- السبب الثالث: صعوبة تحقيق المناط:
وأقصد بتحقيق المناط هنا المعنى العام، وهو تطبيق النص على أفراده وفروعه حيث إن الفقهاء المجتهدين يجدون في كثير من الأحيان صعوبة في إلحاق الفروع بأصولها، لاشتباه ذلك الفرع بأكثر من أصل أو لوجود بعض الفروق بين الأصل والفرع التي قد تكون مؤثرة في الحكم، فيتردّد المجتهد في إلحاق ذلك الفرع بالأصل، فيلجأ أحياناً إلى الاحتياط إما بالتوقف عن إبداء الحكم في ذلك الفرع، وإما بفعل الأحزم، ولذلك أمثلة كثيرة منها حكم الحيوان الذي يعيش في البر والبحر ولم يغلب أمره على أحدهما، أو لم يعلم الغالب من أمره أيحكم له بحكم حيوان البر أم البحر، فذهب أبو سعيد إلى الاحتياط فيه، فتجب فيه الذكاة ولا يأكله المحرم لاحتمال كونه من البريات حيث قال: «فإن صح له أنه يعيش في البر والبحر أو الماء، ولم يعرف له الأغلب من ذلك لم يصح حلاله إلا بالذكاة على حال، وكان على الاحتياط والتنزه أن دمه فاسد، ولا الحلال إلا بالذكاة، ولا يأكله المحرم للخروج من الشبهة والإشكال» (3). أمثلة ذلك المشكل الذي لا يعرف أهو ذكر أم أنثى حكموا عليه بأحكام الجنسين، يصح أن يتزوج، وفي ذلك يقول أبو سعيد: وفي عامة ما قيل إن المشكل من الأحكام، إذا كان
فلا
ومن
(1) السالمي، شرح الجامع الصحيح، ج 1، ص 201.
(2) البسيوي، أبو الحسن محمد بن علي، جامع أبي الحسن، ج 3، ص 1725.
يصح
له
(3) الكدمي، محمد بن سعيد الاستقامة، ج 3، ص 110 - 111 وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عُمان، د. ط، 1405 هـ/1985 م.