النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥١

الفقه والفقيه وظهور النظرية الفقهية

سماحة الشيخ

أحمد مبلغي

اين

51

من هنا ينبغي على المنظر في مجال الفقه أن يرتب الأحكام الجزئية ويضعها إلى جانب بعضها البعض، ويعمل على تحليلها انطلاقاً من فرض نماذج من النظم في ما بينها، وبذلك يكون قد استحضر جميع الاحتمالات الممكنة في تشكيل المنظومة التي يهدف الشارع إلى تحقيقها عبر هذه التشريعات. ومما لا شك فيه أن هذه الاحتمالات - مهما كثرت - تبقى ضمن حدود الفهم البشري؛ حيث لا يمكن للإنسان أن يستوعب جميع الصور الممكن تصوّرها للمنظومة الواقعية عند الشارع، وهذا النقص موجود أيضاً استنباط الأحكام الجزئية؛ إذ لا يمكن للفقيه في استنباطه للحكم أن يقطع بفهم تمام مراد الشارع من هذا اللفظ مثلاً. لذا فالمهم والمجزئ في كلتا العمليتين: الاستنباط والتنظير الفقهي، هو إعمال الفقيه جهده ضمن الحدود الممكنة.

في

وبعد أن يتم استعراض النماذج التي تفرض وجود علاقة منتظمة ومعقولة بين جزئيات مبحث فقهي معيّن، يقوم المنظر الفقهي بترجيح بعضها على الآخر. ومن الواضح أن الترجيح المؤثّر في اختيار النموذج الأفضل لا بد أن يكون أوسع من الفقه والمعايير الفقهية، والذي يشمل جميع مفاصل الدين؛ بما فيها الأخلاق والعقيدة والأهداف العامة للدين وغيرها … ، وأثناء عملية الترجيح التي يقوم بها الفقيه بين النماذج المحتملة، سوف يميل إلى أحد هذه النماذج، معتبراً إيَّاها أنها أكثر انطباقاً على المنطق الواقعي الموجود لدى الشارع.

ومن الطبيعي أن إعمال النمط المذكور في اختيار النموذج الأفضل سيؤثّر في درجة الاعتقاد بالنموذج المختار؛ إذ تارة يصل به الاحتمال إلى درجة اليقين، وأخرى يبقى في دائرة الظن والاحتمال. لكن مهما كانت درجة الاعتقاد بهذا النموذج، تبقى النتيجة الحاصلة مؤثّرة في عملية استكشاف الحكم الإلهي، ولا أقول إنه يمكن الاستفادة من القدر المتيقن الحاصل منها.

ويمكن أن نمثل المراد بالنظرية الفقهية بمفهوم روح الشريعة. فكما أن الفقيه يقوم بترجيح ما فهمه من روح الشريعة ويقدّمه على إطلاقات الأدلة اللفظية وعموماتها وأقوال العلماء، كذلك الحال في النظرية الفقهية أيضاً - مع فارق أن النظرية الفقهية أعم وأشمل - حيث إنَّها تعين جزئيات وحدود المسائل الفقهية؛ بسبب إحاطتها بجميع الأدلة الفقهية. وفي النقطة، لا تتقدم الجهة الدلالية في النظرية الفقهيّة على خصوص الألفاظ الموجودة في باب فقهيّ معين فحسب، بل لها أن تقدّم أيضاً على ظواهر الألفاظ كافة، وتعمل على تحديد معاني الأدلة اللفظية.

7) الاختلاف بين النظرية الفقهية وبين موارد تتصف بالشمولية أولاً: الاختلاف بينها وبين القاعدة الفقهية:

إن القاعدة تتضمن حكماً مشخصاً، وعليه يكون أداء القاعدة هو أن تطبق على مصاديق موضوعها، وإعطاء الحكم المناسب لكلِّ مصداق منها. في حين أن النظرية لا تعطينا حكماً مشخصاً