النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٠٢502
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
- الأخذ بالأشد:
وغالباً ما يقع ذلك حين يصعب تحقيق مناط الحكم ويتردد الحال بين التحريم والإباحة، أو بين ارتفاع التكليف عن الذمة وبقائها مشغولة بالأمر، فيلجأ المكلف إلى الأخذ بالأشد فيبني الأمر
على الحرمة إن تردد بينها وبين الإباحة، ويبنيه على شغل الذمة إن تردد بينها وبين براءتها من التكليف، وذلك حتى يحتاط لأمر دينه ويسلم من احتمال مخالفة الشارع.
ومن
أَولاً
أمثلة ذلك: ما ذكره العلامة أبو الحسن البسيوي في جامعه: «وإذا قال لزوجته: إذا ولدت غلاما فأنت طالق، فولدت غلاماً وجارية لم يدر أيهما ولد أَوَّلاً فإنها تطلق واحدة، وعليها بالاحتياط ثلاث حيض للعدة، ولا يملك الزوج الرجعة ولا يتوارثان؛ لأنَّها إن كانت ولدت الغلام طلقت وانقضت العدة بالجارية» ()، فنراه جعل العدة ثلاث حيض لاحتمال أن يكون الغلام ولد ثانياً، إلا أن الزوج لا يملك مراجعة امرأته ولا يرثها لاحتمال أن يكون الغلام ولد أولاً، انقضت العدة بوضع الجارية.
وكذلك ما ذكره: «وإن كان للرجل امرأتان، فطلق واحدة ولم يُدر التي طلق ومات؛ فإن كان طلَّق ثلاثاً فَإِنَّهُما يأخذان جميعاً في العدة بالاحتياط، فتعتد كُلّ واحدة ثلاث حيض، ويستكملان أربعة أشهر وعشراً، فأمر المرأتين بعدة الطلاق وعدة الوفاة احتياطاً لاحتمال أن تكون كل واحدة
منهما مطلقة أو متوفى عنها.
- الخروج من الخلاف:
وهو طريق يأخذ به المكلف حين تتعدّد الأقوال في المسألة، ويحتار بأي تلك الأقوال يعمل، فيدعوه الاحتياط إلى العمل بما يكون به سالماً على جميع الأقوال. ومن أمثلة ذلك: ما نقله الإمام السالمي في المسافر إذا بلغ رأس الفرسخين وسط قرية أيصلي قصراً أم تماماً؛ حيث قال: «إذا وقع رأس الفرسخين وسط قرية؛ فَقِيلَ: يُصَلِّي تَماماً حَتَّى يَخرج من عمران ذلك البلد؛ لأنَّ بعض عمارته وقعت في أميال وطنه. وَقِيلَ: يقصر منذ تعدَّى الفرسخين ولو بقي من البلد نصفها أو ثلثاها؛ لأنَّ حدّ السفر قد تَمَّت، وهذه عمارة لَمْ تَتَّصل بعمارة بلده. وقد كَانَ زِياد بن الوَضَّاح قاس ما بين نزوى وعَملَا، فدخل شيء من النخل في الفرسخين في نخل عملا. قال: فخرجنا مع مُحبّر بن مَحبُوب لَمَّا أراد الخُروج إلَى مَكَّة، وكَانَ ثَمَّ سعيد بن محرز ومُحمَّد بن مَحبُوب، وكنَّا إِذا أردنا أن نصلي خرجنا من النخل إلى وادٍ غربي القرية ثمَّ قصرنا. قُلتُ: وكأَنَّهم فعلوا ذلِكَ ليخرجوا من
(1) البسيوي: الجامع، ج 3، ص 1618.
(2) المصدر السابق، ج 3، ص 1726.