النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٠٣

مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية

عبد الله

بن

أحمد بن سعيد السليمي

|

503

الْخِلَاف المتقدِّم. وليس هو بِمَذهَب ثالث وَإِنَّمَا هو الاحتياط والحزم، فَإِنَّهُ مُحبّرٍ ومَن عنده ليسوا بدونه بل هم في العِلم فوقه، وإن اشتهر بالورع فقد اشتهروا بالعلم - رحم الله الْجَمِيع -). وينبه بعض علماء الإباضية أن الواجب على المرء أن يتحرى الأعدل من الأقوال، فإن لم يستطع ذلك سأل أهل العلم ويلزمه الأخذ بما رآه أعدل وأصوب، إلا إن كان في الأخذ بغيره احتياط وحفظ للدين جاز له العدول إلى الأحوط (2).

هذا، وليس كل خلاف ينبغي الخروج منه، وإنما يندب الخروج من الخلاف الذي يستند إلى الأدلة، وله حظ من النظر الشرعي والفقهي. وليس كل خلاف جاء معتبر إلا خلاف له حظ من النظر وسيأتي بيان ذلك عند الحديث عن شروط العمل بالاحتياط بإذن الله

- سد الذرائع:

تعالى.

لا شك أن لمآلات الأفعال أثراً في حكمها الشرعي، فالمباح يصير محرماً إذا أدى إلى محرم، ويصير مكروهاً إذا أدى إلى مكروه، وإن كانت تأديته إلى المحرم مظنونة فإن الاحتياط يقضي باجتنابه والامتناع منه، ويقوى العمل بالاحتياط ويضعف بقدر قوة احتمال تأدية الفعل إلى المحرم وضعفه، فإن كان الاحتمال ظاهراً قوياً وجب القول بحرمة ذلك الفعل سداً لتلك الذريعة، وإن كان الاحتمال ضعيفاً بقي الأمر على أصل حكمه من الإباحة أو غيرها، وقد تختلف أنظار المفتين في مآلات الأفعال فيفتون بما يرونه أحوط للمرء وأصلح للمجتمع وأحفظ للدين. وهكذا يكون سد الذريعة ضرباً من ضروب الاحتياط وطريقة من طرائقه، يلجأ إليه كثير من الفقهاء لصون الدين وحفظه من التضييع ولحماية الناس من المعاصي والآثام. ومن أمثلته في الفقه الإباضي: قولهم بحرمة زواج الزاني بمزنيته إذ إنه علاج ناجع وترياق فعال في استئصال النيات الخبيثة والعزائم الفاسدة، يقول شيخنا الغاربي - حفظه الله تعالى - معلقاً على القول بحرمة زواج الزاني بمزنيته: «إنَّ منع الرَّجل مِن الزَّواج بِمَن زنا بها يُوصِدُ بابا طالَمَا وَلَجَ منه الشيطان إلى قلب المرأة؛ فكم من رجل أغرى امرأةً بالوعود الزَّائفة، وخدعها بسراب الأمل بوعده بالزواج بها بعد وقوع الرذيلة، فأسلمت إليه نفسها فَرَزَأَهَا في أغلى شيء في حياتها، ثُمَّ نَبَذَها كَنَبذِه نعالاً أخلقت من نعاله باحثاً عن أخريات، بعد أن كانت تأمل أن يكون في يوم من الأيام شريك حياتها وفارس أحلامها، فإذا بهذا الأمل الحلو الذي كان يداعب خيالها باستمرار يتحول إلى

(1) السالمي، عبدا الله بن حميد، معارج الآمال، ج 5، ص

181

(2) الخليلي، سعيد بن خلفان أجوبة المحقق الخليلي، مكتبة الجيل الواعد، ط 1، 1431 هـ /2010 م، ج 1، ص 447 وما بعدها.