النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٠٤

504

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

أَلَمٍ مُرٌّ، وهم يملأ صدرها، ويقض عليها مضجعها، بعد أن رزئت في كرامتها، وصار في أحشائها جنين، إمَّا أَنْ يواجه الدُّنيا منبوذاً هجيناً، وإما أن تكون نهايته الوأد في مصحات الإجهاض، أما إذا عَلِمَ كلٌّ منهما أنَّ وقوع الفاحشة، منهما، تُوصد أمامهما باب الزَّواج، وتسدُّه في وجوههما؛ فإن ذلك يدفع بكلّ منهما إلى التوفّي والحذر من هذا الأمر، وبهذا يكون هذا القول الصارم هو الترياق النافع، والدَّواء النَّاجع للتَّلاعب بالأعراض، والانغماس في حَمْأَةِ الرَّذيلة؛ فإنَّ كثيراً مِن النَّاس لا يردعهم إلا العقوبة الماديَّة والمحسوسة؛ ولذا جاء في الخبر: «إِنَّ الله يَزَعُ بِالسُّلطانِ مَا لا يَزَعُ بالْقُرْآنِ» وما دامت الأدلَّة التَّفصيليَّة تجعل للأخذ بالقول بالمنع وجهاً ـ فضلاً عما رأيته أثناء الأدلة من قوتها أو ضعفها - فلا غَرْوَ أنْ يكون الأخذ بالأدلة التي تفيد الْحَجْرَ مِن زواج الزَّاني بالزَّانية، وتبنِّي القول بالمنع لا مَنَاصَ منه عند أصحاب ذلك الفكر».

عَرْضِ

- البناء على اليقين

وهي طريقة علّمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم حين نشك في الصلاة فلم ندر، كم صلينا ثلاثاً أم أربعاً؟ ففي الحديث من طريق أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَكَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثَاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ،

فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِثْمَاماً لأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ». ووجه الاحتياط في ذلك أن في البناء على اليقين رفعاً لعهدة التكليف وإبراء لذمة المكلف، ونفيا لاحتمال بقائها مشغولة بالأمر، بخلاف ما لو لم نبن على اليقين حيث يكون الاحتمال قائماً والشك في براءتها باقياً.

ومن

أمثلة الاحتياط بالبناء على اليقين وجوب الاغتسال لكل صلاة على المستحاضة عند كثير من علماء الإباضية، جاء في جامع ابن بركة: «وقال بعض مخالفينا أيضاً: على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة غسلاً، ولا تجمع، وهذا فيه ضرب من الاحتياط والذي ذهب إليه أصحابنا من قول مخالفيهم؛ لأنَّه بالسنة أشبه على أنا إن سلمنا الطعن في خبر عائشة من طريق النظر فالجمع للمسافر باتفاق لمشقة السفر والمستحاضة أولى بذلك؛ لأنَّ المشقة عليها في حال الاستحاضة أعظم، وإن كان خبر عائشة صحيحاً فالتسليم للسنة أولى من النظر، ولا حظ للنظر مع وجود السنة، فإن عدمت السنة وكانت المستحاضة متروكة على حكم الظاهر للزوم العبادة لها والاغتسال لها عند كل صلاة أحوط، وأن تأتي بكل صلاة في وقتها؛ لأنَّها مدفوعة إلى شكوك شتى، شكوك حيض وشكوك استحاضة وشك خروج من حيض، فأما شك الحيض فلا يوجب عليها الصلاة، وأما

(1) الغاربي، مصدر سابق، ص)

509

(2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة، ص 400، ح رقم 571.