النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٥٠٨508
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ما لم يكن احتياطه مؤدياً إلى تفويت حق واجب عليه، كمن أفطر متعمداً أكثر من يوم ورأى أن القول بإجزاء كفارة واحدة، أعدل ولكنه أراد أن يحتاط فيكفر عن كل يوم أفطره متعمداً، فإن له أن يحتاط إلا إن تعلق بذلك المال المحتاط به حق واجب، فليس له أن يقدم الاحتياط على الواجب.
ومثل ذلك إذا كان العمل بالاحتياط يؤدي إلى تفويت مصلحة أفضل من الاحتياط كما يفيده كلام الإمام السالمي المتقدم، حيث إن بدل الصلوات بغير شيء يدعو إلى البدل يفوت الإتيان بالنوافل والقربات التي أمر الشارع بها وحض عليها، لذا لا يصح تقديم هذا النوع من الاحتياط.
الشرط الرابع: ألا يكون الاحتياط في مجال الإفتاء أو الحكم القضائي: وذلك أن المستفتي أو المدعي حر في أن يعمل بالأحوط أو بغيره، ولا يملك المفتي أو القاضي أن يلزمه بالعمل بالأحوط إلا إن كان الرأي الأحوط هو الرأي الأرجح عند القاضي، فإنه يصح له أن يحكم به لكونه الأرجح لا لكونه الأحوط، يقول المحقق الخليلي: « … وأما إن كان الآخذ بالرأي حاكماً بين خصمين، فليس له في هذا الموضع إلا تحري الأعدل والأخذ به فقط، إذ لا يجوز الحكم على عمى ولا باتباع هوى، وليس له من النظر شيء في الاحتياط ولا هوادة، وإنما عليه استعمال العدل عن بصيرة وإلا كان حكمه جوراً؛ لأنَّ ما خرج عن العدل فهو جور ولا شك، نعم إذا قصرت معرفته ولم يبلغ فهمه إلى معرفة الأعدل جاز له أن يستعين في ذلك بمن يبصر فيه الأعدل من أهل العلم، فيأخذ بقوله على رأي وإلا اعتذر من الحكم به حتى يريه الله عدله من نظر أو أثر أو من قياس معتبر».
صحيح
الديوان - رحمهم
الله
-
هو
أما المفتي فإنه يمكنه أن يدعو المستفتي إلى الاحتياط ويحضه عليه من دون أن يلزمه به، وفي ذلك يقول سماحة الشيخ الخليلي: « … ولا ريب أن القول الأول في ما جاء من كلام أصحاب أسلم وأحوط لكن فيه مشقة وإحراج، وما خُيّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً؛ لذلك أميل إلى الأخذ بالقول الثاني لما فيه من التيسير، ولأن حركة النزع ضرورية فلا غرو في إباحتها، وباب الاحتياط باب واسع، ومما ينبغي للإنسان أن يحتاط في أمر دينه بقدر إمكانه نزاهة وورعاً، ولكن الفتوى تُبنى على التيسير في الجائز لا على الورع والاحتياط، ولله در إمام المذهب أبي سعيد الكدمي الى حيث قال: «ليس العالِمُ مَنْ حمل الله الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتاهم بما يسعهم في دينهم».
نعم يجوز للمفتي أن يفتي بالأحوط إن اقتضت المصلحة ذلك، كسد الذرائع ونحوها، إلا أنه
(1) الخليلي، أجوبة المحقق الخليلي، ج 7، ص
(2) الخليلي، أحمد بن حمد، الإيلاء، ص 287.
105