النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٥٠٩

مدخل إلى نظرية الاحتياط عند الإباضية

عبد الله

بن

أحمد بن سعيد السليمي

|

509

في هذه الحالة لم يعدل عن الأرجح في رأيه بل كان الأحوط هو الأرجح، أو أن المصلحة الأعظم اقتضت أن يأخذ بالأحوط.

- الشرط الخامس: ألا يكون العمل به سبباً للوسواس والأوهام:

نص غير واحد من فقهاء الإباضية أن العمل بالاحتياط مطلوب ما لم يكن مؤدياً إلى الوقوع في

الوساوس، جاء في شرح النيل نقلا عن التاج المنظوم: « … وَكَتَبَ ابْنُ مَحْبُوبِ إِلَى مَنْ دَاخَلَهُ الشَّتُ: اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ أَطَعْتَ الْخَنَّاسَ أَضَلَّكَ وَأَوْحَشَكَ وَفَتَحَ لَكَ أَبْوَاباً مِنْ الْوَسْوَسَةِ لِيَنَالَ مِنْكَ مُرَادَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَضَلَّ كَثِيراً مِنْ الْمُتَوَرِّعِينَ فِي حَلَالِهِمْ حَتَّى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَضَلَّ أَهْلَ الْحَرَامِ فِيهِ حَتَّى أَحَلَّهُ لَهُمْ، فَإِذَا عَارَضَكَ فَخُذْ بِالْيَقِينِ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْوَسْوَاسِ، فَإِنَّهُ يَفْتَحُ لَكَ مَا اسْتَغْلَقَ وَيُفْلِقُ مَا فُتِحَ فَيَدَعُكَ مُتَحَيِّراً بَيْنَ الْيَقِين وَالشَّكٌ، وَاثْبُتْ عَلَى يَقِينِكَ وَلَا تُمَكِّنُ الشَّيْطَانَ مِنْ دِينِكَ، فَإِيَّاكَ إِنْ عَارَضَكَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ فِي أَنَّكَ تَصَدَّقْتَ بِمَالِكَ أَوْ بِعْتَهُ أَوْ نَظَرْتَ مُحَرَّمَتَكَ بِعَمْرٍ أَوْ قُلْتَ لِزَوْجَتِكَ مَا تَطْلُقُ بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا تَدَعْ حَلَالَكَ بِالشَّكٌ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ حَيْثَ وَبَانَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَدْرِ مَا قَالَ وَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، وَمَنْ خَرَفَ نَخْلَةً لَا يَعْرِفُ رَبَّهَا وَسَأَلَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَأَرَادَ الْخَلَاصَ، فَإِنْ كَانَ حِينَ يَخْرُفُهَا يَعْلَمُهَا لِفُلَانٍ أَوْ أُخْبِرَ بِهِ وَصَدَّقَ ثُمَّ شَكَ، فَإِنْ اطْمَأَنَّ أَوَّلاً تخلص إلَيْهِ، لَا إِنْ صَدَّ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ خَرَفَهَا غَيْرَ مُطْمَئِنٌ تَخلص حَتَّى يَطْمَئِنَّ أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

وَشَكٍّ فِي

- الشرط السادس: ألا يكون العمل به ذريعة إلى اعتقاد وجوبه إن لم يكن واجباً: وذلك أن المواظبة على أمر معين مع كثرة حدوثه يورث عند الناس اعتقاداً بوجوبه، فيصرّون عليه وينكرون على من لم يفعله، ولا شك أن ذلك زيادة في الدين مما ليس منه، قال الإمام مسألة السالمي في تتريب أو تيمّم الثياب بعد أن نقل كلام من قال بمشروعيته أو وجوبه قال: « … وَأَمَّا ما نَحن فيه من التَّيَمُّم للثياب فإن كان على جهة اللزوم كما يفيده ظاهر كلام ذلك البعض؛ فهو زيادة عَلَى الدين فيجب ردُّه، وإن كان على جهة الاحتياط فلا بأس به، وينبغي الا يفعل لئلا يكون ذريعة إلى اعتقاد لزومه، وَالله أَعلَم» (2).

ومن

أمثلة ذلك أيضاً السجود الذي يأتي به كثير من الناس بعد الصلاة من غير سهو

-

احتياطاً،

فقد أجاب عنه سماحة الشيخ حفظه الله فقال: « … وإنما استحب أسلافنا - رحمهم الله السجود بعد التسليم لأمرين: أحدهما: شكراً لله و على التوفيق لأداء الصلاة، وثانيهما: الاحتياط لئلا

(1) أطفيش، شرح كتاب النيل، ج 17، ص 103.

(2) السالمي، معارج الآمال، ج 1، ص 731.